ضمن مؤتمر «الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحولات» الذي نظمته كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية بالتعاون مع فريق «دال» للدراسات الإعلامية، في الجامعة قبل عامين، طرح المؤتمرون/ات، إشكاليات مهنية تتعلق بسلوكيات وديناميات الإعلام العربي، على ضوء الانتفاضات التي قامت في بعض البلدان العربية، والتغيّرات التي أحدثتها، لا سيّما مع اطراد الثورة الرقمية والاتصالية. يومها، شارك عدد من الباحثين/ ات في المؤتمر، محاولين الإجابة عن هذه الإشكاليات الراهنة.

اليوم، يطرح «مركز الأبحاث» الناشئ حديثاً في الكلية، إشكاليات جديدة، تتعلق بالقضايا الراهنة، التي تتصل بالعالمين الافتراضي والواقعي. ذهب الحديث أبعد من حدود الثورات وإشكالياتها، الى البحث في مفاهيم الاتصال الملتزم والملزم وإشكالياته.
تحت عنوان «الاتصال الملتزم/ الملزم في ضوء التطورات التكنولوجية والاتصالية الراهنة - إشكالياته وآفاقه»، عقد «مركز الأبحاث في كلية الإعلام»، قبل أيام أول مؤتمراته في أحد فنادق العاصمة.
تكمن أهمية هذا المركز في خلق مساحة نقاش وتفاعل بين الجامعة اللبنانية، وطلاب الدراسات العليا، عدا تشبيكه مع باقي مكونات المجتمع. هو انطلق من نواة فريق «دال» الأكاديمي، ليشكل اليوم، ثقلاً معنوياً. إذ يعيد للجامعة دورها على صعيد إنتاج المعرفة وإنتاج المعنى، في ظلّ ما نعيشه راهناً من أزمة معنى، تحتاج إلى طرح الإشكاليات، وتفاعل بين الأطراف المعنية وفق ما تقول لنا رئيسته نهوند القادري. طبعاً، هذا الصرح البحثي والديناميكي الذي يضمّ ثلاث فرق بحثية، يحتاج الى دعم، وخطة تربطه بشراكات مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص.
ثلاثة أيام توزعت على ثماني جلسات، تناوب فيها أكاديميون/ات، وباحثون/ات، من لبنان وتونس ومصر، والجزائر، وقطر، على مقاربة الأشكال المستحدثة على شبكات التواصل، فيما خصّ المجموعات المنظّمة والمنضوية تحت قضايا نضالية. إضاءة على تلك «التحولات الطارئة»، وتمظهراتها في الفضاء الافتراضي، والفعل الاتصالي والاستقطابي لها، واقعاً وافتراضياً أيضاً.
إذاً، ذهب البحث أبعد من الإشكاليات الإعلامية بعد «الربيع العربي»، ومَنح المواطن العربي صوتاً ومنبراً على المنصات الافتراضية، الى الإعلام الملتزم، وتشعباته، أكان على تلك المنصات أو حتى في الإعلام التقليدي.
ضمن ورقتها البحثية، أضاءت نهوند القادري على «الالتزام في الفضاء الافتراضي- الحالة اللبنانية»، أي على مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية، والتشبيك الرقمي الحاصل بين المستخدمين، وتجلّي ما وصفته بـ «الثقافة النضالية الجديدة». في مقابل هذه التغيرات، ركزت أساتذة الإعلام، على العوائق التي تجعل العملية الاتصالية على الشبكات الافتراضية مقيدة وغير حرّة، بحكم سيطرة المنظومة الاتصالية «النيوليبرالية» على هذا العالم، و«إخفاق اليسار في إيجاد البدائل»، مع تداخل السياق المعولم بالحالة اللبنانية. درست القادري نماذج محددة في الحالة اللبنانية، تعبّر عن قضايا مختلفة في الإعلام الملتزم على الشبكة الافتراضية هي: جمعيتا «كفى» و«أبعاد»، و«المفكرة القانونية»، ومجموعة «طلعت ريحتكم»، وحركة «مواطنون ومواطنات في دولة».

أضاءت مهى زراقط على حركة «مواطنون ومواطنات في دولة»


النماذج المذكورة التي تختلف عن بعضها في القضايا المتناولة، خضعت لتفنيد القادري التي خرجت بخلاصات عدة أبرزها: «طلعت ريحتكم» مثلاً، أخفقت في ابتكار مساحات للنقاش، وبرز التباين واضحاً بين أفرادها، لا سيّما مواقفهم من رموز النظام السياسي، عدا أنهم انجرفوا من أزمة النفايات الى الكلام عن الفساد والصفقات والفضائح. مقابل هذا النموذج، بدت «المفكرة القانونية»، مختلفة وفاعلة، بانتقالها من أرض الواقع الى الافتراضي، ومقارباتها الجديدة في ما يخص القضايا القانونية وعلاقتها بالإعلام والسياسة. أما جمعيتا «كفى»، و«أبعاد»، المعنيتان بحقوق المرأة، فقد رأت الباحثة أنهما نجحتا في علاقتهما مع الممولين والدولة، وباقي الوزارات، وتلقف الإعلام القضايا التي تطرحانها، ووضعها قيد النقاش في الفضاء العام. مع الرؤية الواضحة، التي أرستها حركة «مواطنون ومواطنات في دولة»، التي يديرها الوزير السابق شربل نحاس، فإن خلاصة تفنيد حركة هذه الصفحات، تفيد بأنها ظلت «نخبوية»، ومشروعها «طوباوياً»، ولاقت صعوبة في خرق جدار النظام لتواطؤ الأخير مع المال والإعلام.
حركة «شربل نحاس» الافتراضية كانت محطّ بحث لأستاذة الإعلام مهى زراقط. من خلال متابعة صفحة الحركة على فايسبوك تحديداً، تبين أنّ الحضور الفايسبوكي ظل «دون المستوى»، رغم إتاحة الموقع الأزرق، مساحة إعلامية، لنحاس ومشروعه المحارب أصلاً من الإعلام وحيتان المال. إلا أن القيّمين على الصفحة، لم ينجحوا في عملية الاستقطاب، رغم استخدامهم خطاباً شعبياً نوعاً ما، وأدوات إلكترونية مختلفة، تفنّد مكامن الفساد في البلد.
كذلك، كان للمرأة وقضاياها حضور على الشبكة العنكبوتية في الفترة الماضية. إذ أضاءت الباحثة لمى كحال على «دور الاتصال الملتزم بقضايا المرأة في الوصول الى دوائر القرار الحكومي- لبنان نموذجاً»، في ظل الحركة الملحوظة لنقاشات تتعلق بالمرأة والتمييز الجندري، وعلاقة الإعلام بها، وتحويلها لاحقاً الى قضايا رأي عام. ومن الأوراق البحثية اللافتة أيضاً، ما قدمته أستاذة الإعلام وفاء أبو شقرا، عن القنوات اللبنانية، وإشكالية علاقتها بين التوجيه والتبعية والالتزام. بحث تناول 56 مقدمة نشرة أخبار تلفزيونية لثماني قنوات لبنانية، ضمن فترة «أزمة باسيل/ بري»، الأخيرة، والتخندق الذي دخلته القنوات في مناصرة كلا الطرفين. بحث طرح إشكاليات التبعية والمعايير المهنية. ومن الأوراق أيضاً، ما طرحته أستاذة الإعلام زينب خليل، حول الاتصال الحزبي الإلكتروني، واستخدام الأحزاب لهذا الفضاء، واستثماره للترويج والتسويق، وكيفية نجاح أو إخفاق هذه الأطراف السياسية بهذا الاتصال مع الجمهور.