بمبادرة فردية من أكاديميين وباحثين لبنانيين من «الجامعة اللبنانية»، و«الجامعة اللبنانية الأميركية»، و«المركز العربي للعمارة» و«جمعية المشاهد»، سيشارك لبنان للمرّة الأولى هذه السنة في «بينالي العمارة» في مدينة البندقية، برعاية وزارة الثقافة ونقابة المهندسين. ضمن لقاء أقيم في «صالون بيروت» أول من أمس، أعلنت منسّقة الجناح اللبناني الأكاديمية والمعمارية هالة يونس عن المشاركة اللبنانية وبرنامجها في الدورة السادسة عشرة من البينالي الدولي الذي يحمل هذه السنة ثيمة المساحات الخالية والفارغة (Freespace).

مقاربة الجناح اللبناني لهذا الموضوع تأتي عبر عنوان «ما تبقّى» (The Place That Remains) الذي يركّز على منطقة نهر بيروت. تعلل يونس اختيار هذه المساحة لأسباب تتعلّق أولاً بكونها منطقة استراتيجية، كما أنها قريبة من بيروت وتعد متنفّساً لأهلها، إضافة إلى الدراسات الكثيرة التي تركّزت حول طبيعتها. طبعاً لا يشتمل ذلك على النهر وحدوده الجغرافية، بل يمتدّ من جبل الكنيسة، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، ويضم أهم المصايف مثل برمانا وحمانا وبحمدون وعاليه وبيت مري. هناك أيضاً النهر وحوضه، المنحدرات، والأدوية الحادّة التي وجد العمران والتدخلات البشرية سبيلها إليها فباتت تحوي المصانع، والبيوت والمقالع، والبقع الملوثة، والأراضي الزراعية وبعض القرى المأهولة. لكن المشاركة اللبنانية تهدف إلى التركيز على بعض المساحات الخالية أي تلك التي لا تزال ملكيتها ملتبسة وضائعة، بهدف فهم امتدادها وسياقها التاريخي، كما ستتم الإضاءة على عنصر الماء الذي يعدّ رابطاً أساسياً بين قراها ومناطقها. وفق يونس، فإن المشروع يسعى إلى تقييم قاعدة الأرض الطبيعية لتوضيح وتسهيل الفكرة أمام المشاريع العمرانية في المستقبل التي عليها أن تفهم طبيعة هذه الأرض، وتبني عليها لا أن تمحوها. يضاف إلى ذلك الجانب التاريخي الذي يتمثّل بحسب المنظمين بـ «النظام الرأسمالي» منذ المجاعة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى، حتى الحاضر الذي بات فيه العمران بمعظمه يستوفي الطموحات الربحية في أحسن الأحوال. هذه المساحة الشاسعة التي تكاد تكون نموذجاً عن التنوّع الجغرافي والطبيعي في كل لبنان، ستتم مقاربتها من زاويتين: واحدة جغرافية وأخرى فنية ــ فوتوغرافية.

تتركّز المشاريع على منطقة نهر بيروت


في الشق الجغرافي، تعاون القيمون مع المديرية العامّة للشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني. إذ سيبني أحمد خوجة مجسّماً لمنطقة حوض النهر بالاستناد إلى الخرائط الرسمية التي قدّمتها المديرية. أما المقاربة الفوتوغرافية، فتشتمل على 6 مصورين لبنانيين ومقيمين في لبنان اختارتهم لجنة مؤلّفة من هالة يونس، وأكاديميين آخرين هم كريستين ماضي، وجوزيف رستم، وعبد الحليم جبر وآلان ليلوب. المؤرخ الفني والمصوّر اللبناني غريغوري بجاقجيان هو أحد المشاركين. تتبع بجاقجيان خط القمم الأسود كما رُسِم على الخريطة. يلتقي هذا الخط أحياناً مع الطريق العام، وأحياناً يبعده عنها ارتفاع القمم وتعذّر مدّ الطريق إليها، وأحياناً بسبب الألغام التي لا تزال مزروعة في بعض البقع منذ الحرب. يقوم بجاقجيان في صوره بما يشبه العمل الأركيولوجي في البحث والتنقيب عن الأثر البشري في هذه المناطق أي ما تركه الناس من آثار الرومانية وقساطل المياه والبقايا المهملة، بهدف تلمّس الطرق والكيفيات التي فيها استخدم الناس هذه الأرض. المصوّر اللبناني جيلبير الحاج انطلق من عنوان الجناح اللبناني «ما تبقّى»، من خلال العلاقة بين البقايا والموت. اختار الحاج المنحدرات العمودية الحادّة التي لا وجود لها على الخرائط، والتي ليست موجودة عقارياً أيضاً بسبب استحالة استخدامها والبناء عليها. هكذا سيعرض الحاج صورة لأحد هذه المنحدرات. أما الشق الثاني من مشروعه، فيركّز على الوجود البشري في ضيع وقرى ومناطق نهر بيروت. إذ سيلتقط بورتريهات للناس مع النباتات البرية التي تطلع وتتوزع هناك. المصورة الليتوانية اللبنانية يافا ساودرغيته، اختارت العمل على العلاقة الإشكالية بين البشر والطبيعة. فبخلاف ما كان دارجاً في الماضي، أي العلاقة المباشرة مع الطبيعة والجلوس والاستمتاع فيها، بات هناك عنصر جديد في هذه العلاقة، هي المطاعم وملاعب كرة القدم وبعض البنى الخدماتية والرأسمالية التي تتدخّل في هذه العلاقة وتعرقلها بطريقة ما. في 30 صورة تقريباً، تظهّر يافا هذا التماس بين الإنسان الحديث والأحراج والبراري والوديان والأنهر، من خلال التركيز على هذه البنى العمرانية ضمن المشهد الطبيعي الأكبر. تتنوّع المقاربات بين الفنانين الآخرين المشاركين مثل هدى قساطلي، وكاترين كاتاروزا، إضافة إلى طلال خوري الذي عمل على فيديو يرصد هذه المنطقة. علماً أن الجانب البصري سيضم أيضاً صوراً أرشيفية من مجموعات مختلفة من بينها APSAD، ومجموعة فؤاد دباس والصور الجوية لدى الجيش اللبناني، وغيرها. علماً أن فرص المشاركة لا تزال متاحة أمام الفنانين الراغبين في تقديم أعمالهم ووجهات نظرهم في الجناح اللبناني.
في البينالي الذي ينطلق في 24 أيار (مايو) ويستمر حتى 26 تشرين الثاني (نوفمبر)، سيشارك لبنان أيضاً في لقاء خلال شهر أيلول (سبتمبر) حول الامتدادات الداخلية للمدن المتوسطية، حيث سيتحدّث نقيب المهندسين جاد تابت عن الامتدادات الداخلية الطبيعية والعمرانية لمدينة بيروت. وبالعودة إلى المشاركة اللبنانية الأولى، تمنّت المنسّقة هالة يونس أن تأتي مشاريع مماثلة في المستقبل من مبادرات عامة تتولاها الدولة اللبنانية لا المؤسسات الخاصّة التي دعمت الجناح اللبناني.

* «ما تبقّى»: الجناح اللبناني في «بينالي العمارة» في البندقية (إيطاليا) ــ من 24 أيار (مايو) حتى 26 تشرين الثاني (نوفمبر).



معضلة لغوية مزمنة

هل علينا أن نعتاد الحديث التام باللغات الأجنبية في المناسبات الثقافية في بيروت، أكان بوجود الترجمة أو غيابها؟ لا نقصد بالطبع ما يأتي على لسان من هم من الجنسيات الأجنبية، فهذا طبيعي. خلال اللقاء أول من أمس، بدأت منسّقة الجناح هالة يونس بتعريفنا على المشروع باللغة الفرنسية. اعتراضات خافتة ومعلنة عدّة جاءت من قبل بعض الحاضرين، جعلت يونس تستكمل الحديث بالعربية، ثم بالانكليزية قبل العودة إلى الفرنسية مجدداً. يأتي ذلك بخلاف المؤتمر الصحافي قبل أسابيع الذي جاء باللغة العربية بأكمله. وحين سألنا عن السبب، كان الجواب بأن هناك حضوراً أجنبياً (أوروبياً بمعظمه) كثيفاً. كان يمكن تسوية الموضوع بوجود ترجمة، أو بالحديث بلغتين مثلاً بشكل متواز!