كأنك تقود السيارة بسرعة 140 كيلومتراً في الساعة، وتميل فجأة لتتجنّب قطة على الطريق، وفي تلك الهنيهة الخاطفة، على ضوء مصباح السيارة، تلمح لوحة كبرى تعلن عن رحلة بحرية، واقفة كعملاق وسط لا شيء. ذلك شبيه برؤية «تجار الملح»، العمل التركيبي للفنانة المصرية آنا بوغيغيان (1946). بعد الوقع الكلي للعمل، تأتينا التفاصيل برجات أصغر لكنها عنيفة.. قماش، شمع، ألوان مائية، غواش، خشب، ملح، رمل وأصوات أمواج ونوارس تلاحقنا من غرفة إلى أخرى ملأتها الفنانة برسوم وخلايا نحل وملح جمعته من تركيا وإثيوبيا وباكستان.

علاقة بوغيغيان مع توظيف اليومي والمألوف أرضيةً لطرح فرضيات كبرى، ليست أمراً جديداً، فلطالما ارتكزت تجربتها على خطوط بحثية متداخلة، وفي هذا العمل التركيبي تقدم تحفيزات نحو وعي بالبيئة والتاريخ، مسلّطة الضوء على الدور الذي لعبه الملح في ولادة المعاملات الاقتصادية وإنشاء الطرق والموانئ.
في كل العصور، أُعطي الملح دلالات فاقت مواصفاته الطبيعية على رغم أهمية تلك الخصائص وإثارتها. سماه هوميروس المادة الإلهية، ووصفه أفلاطون بأنه المادة العزيزة على قلوب الآلهة. ويمكن أن نلاحظ إلى اليوم الأهمية التي يكتسبها في الطقوس الدينية والمواثيق. لقد تكرر ذلك في كل بقاع الأرض وعبر كل العصور، مما يدل على أننا نتعامل مع ميل إنساني عام لا مجرد عادة أو ظرف أو مفهوم محلي. ولأجل هذه المادة، شُقّت الطرق التجارية الكبرى وعقدت التحالفات. نتعقب في عمل بوغيغيان أول طريق روماني كبير يحمل اسم «فايا سالاريا»، أي طريق الملح، الذي بني لجلب الملح البحري إلى روما، وكذلك إلى المناطق الداخلية في شبه الجزيرة الإيطالية. ومع توسع روما المطّرد، اقتضى الأمر نقل الملح إلى مسافات أطول، مما زاد كلفة شق الطرق. لم يسعَ الرومان إلى توفير الملح للعامة فقط، بل أرادوا توفيره أيضاً للجيش. هدف زادت أهميته مع توسع الإمبراطورية، وأحياناً دُفعت رواتب الجند ملحاً ويرجع أصل كلمة راتب (salary) إلى كلمة ملح (salt).
ثمة قصة فولكلورية فرنسية تتحدث عن أميرة أعلنت لأبيها الملك أنها تحبه «كالملح». ولم يستسغ الأب طعم هذا الحب، فأمر بإخراجها من مملكته. لاحقاً، حين حُرم من الملح، أدرك مدى محبتها. في الوقت الراهن أيضاً، يبدو الملح متوافراً بكثرة ويسهل الحصول عليه بأسعار رخيصة، وقد أنستنا هذه الحال ما كابدته الإنسانية منذ فجر حضارتها وإلى ما قبل قرن مضى في سعيها خلف هذه المادة.
تقول بوغيغيان: «لفترات طويلة قبل أزمنتنا الحديثة، مثّل الملح مادة أساسية لحفظ الأطعمة، صنعه المصريون بتبخير ماء البحر على شواطئ الدلتا وتم العثور في صحارى مصر قديماً على بعض المومياوات المحفوظة في الرمال المالحة التي يعود تاريخها لعام 3000 ق.م. إن قدرة الملح في الحفاظ على الأشياء ووقايتها من التحلل وكذلك قدرته على حفظ الحياة البشرية، أعطته أهمية رمزية واسعة، وذلك ما اعتبره فرويد تعلقاً غير منطقي بالملح. وفي الإسلام واليهودية، تمهر العقود بالملح لأنه عنصر مستقر واعتاد المصريون القدماء كما اليونانيون والرومانيون استخدامه في تقديم القرابين والأضاحي. وفي فرنسا جرت العادة على دعك جلود الأطفال بالملح لوقايتهم من الأذى».
لا تُغفِل بوغيغيان أيضاً كون الملح استُخدم سلاحاً ووسيلة ضغط سياسية. كذلك أشعلت ضريبة الملح، التي فرضتها الدول على مر التاريخ، فتيل الثورات، وأسهمت في تشكل عديد من المدن. ففي عام 1930، تحركت مسيرة بقيادة الزعيم المهاتما غاندي، وانضم إليها جميع طوائف الشعب، عُرفت بـ «مسيرة الملح»؛ للمطالبة بجلاء القوات البريطانية. وعند وصوله إلى الساحل الغربي، حمل غاندي حفنة من الملح، في إشارة إلى خرق القانون الذي فرضه الاستعمار على البلاد. وكانت بريطانيا قد منعت صناعة الملح المحلي الرخيص في قرية داندي واحتكرت تجارته.
التمعن في أعمال بوغيغيان هو ولوج إلى سلسلة متشابكة من الاشتغالات التركيبية واللونية المدهشة. اختباراتها الشخصية لمفاهيم مثل الارتحال والهجرة والعبودية، قادتها إلى إنجاز تجارب بحثية تعيد الاعتبار إلى مواجع إنسانية عميقة. ثمة بناء بصري ذكي على درجة كبيرة من التجانس والانسجام. ويتضمن هذا المعرض الذي افتتح يوم الجمعة الماضي في «بيت السركال» برعاية «مؤسسة الشارقة للفنون»، مجموعة من الأعمال التي تضيء على مسار الفنانة منذ بداياتها في مصر حين كان فنها متأسساً على رسومات صغيرة على الورق ورسومات الكتب التوضيحية وصولاً إلى الأعمال التركيبية المعقدة التي تنجزها اليوم. وبإمكان المتفرج أن يلاحظ تجدداً وتوسيعاً مستمراً لحلقات هويتها الفنية.
ويبقى الاتكاء على مرجعيات أدبية وفلسفية، ميزة لا تتخلى عنها بوغيغيان في كثير من مشاريعها البصرية التي تتنوع توظيفاتها الجمالية الدلالية، إذ تقدّم أكثر من 300 عمل ورقي مكرس للشاعر والمفكر اليوناني قسطنطين كافافي وتمزج في مشروعها «مسرحية للّعب» (2013) بين الرسم والتركيب. وهو عمل مستوحى من مسرحية «مكتب البريد» للشاعر الهندي طاغور، أنجزته بعدما زارت المدرسة التجريبية التي أسسها عام 1901، ليطبّق فيها نظرياته في التربية والتعليم تقوم على المزج بين التقاليد الهندية القديمة والتقاليد الغربية التي خبرها عن قرب خلال رحلته للندن لدراسة الحقوق. ولاحقاً تحولت هذه المدرسة إلى جامعة تعرف باسم «فيشفا بهاراتيا» أي الجامعة الهندية للتعليم العالي. ويحرّض هذا العمل المتلقي على قبول اقتراحات جمالية غير مألوفة ويقدم شخصيات ورقية معروضة على طريقة الدمى التي يمكن العثور عليها في جنوب شرق آسيا.
هذا التأسيس المشاغب لأعمال لا تنتصر فيها التقنية على المعنى، هو جزء من لعبة آنا بوغيغيان في تحويل الشكل والفعل البصري، من مجرّد حرفة، لكونه سلسلة وثائق، استمدتها من تجوالها عبر القارات، ثمة كراسات صاغتها أثناء إقامتها في مصر وأخرى من جولات القطار بين الهند والنبيال وأخرى مستوحاة من حياة وأسفار الشخصيات التاريخية البارزة.
وعلى نحو متفرّد، استطاعت فنانتنا بناء شكل خاص لعلاقة عميقة ومتشعبة بين الشكل والموضوع والوثيقة التاريخية. ثمّة زمن دقيق يمسك بمفردات هذه الأعمال، لكن في الوقت نفسه، لا يتغوّل الزمن والتوثيق في المعالجة الفنية التي يمكن الدخول إليها من أبواب خلفية. يفتح ما نراه في هذا المعرض باب الجدل في قضايا الإدراك البصري والذاكرة والعنف والوهم. من هنا، كان فوز آنا بوغيغيان بـ«جائزة الأسد الذهبي» لأفضل مشاركة عالمية في «بينالي البندقية 56» (2015) نتيجة متوقّعة لمشروع فرض حضوره ولمسَته على نطاق عالمي واسع.

* معرض آنا بوغيغيان الاستعادي: حتى 16 حزيران (يونيو) ـــ «بيت السركال»، ساحة الفنون في الشارقة