«صديقي بطلب اللجوء خبرني، الفوتة مع الشنتة صعبة؛ خليلي الشنتة معك لإنه فايت قبلك. صحيح أنا ملبّك، لكن بساعد. الصيني فات، التركي فات الهندي فات، بمشهد أممي. وبعدني ناطر، الطابور طويل، في ناس ناموا كل الليلة، في ناس جايين لحالهن في ناس جايين مع عيلة. أحمد فل، ونسي الشنتة بإيدي، وهيك عرفت اسمه بعد ما نبشت بكل غراضه، كنزة وبنطلون وتياب عادي كتاب فرنسي وورقة مكتبة محطوط عليها رقمه» (مقطع من أغنية «مفرق طريق»). هكذا يقارب «أسلوب» (عمرو عبد الرحمن) القضايا التي يعاصرها في ألبومه الجديد «الآخرين». إنّها قضية الراب الأساسية، أن يتحدّث عن الناس، أن يكون الفن الشعبي المعبّر عما تعانيه الطبقات المسحوقة، تلك التي لا يتذكّرها الفن عادةً إلا لكي يحزن بضع أثرياءٍ عليها. إنّه مقاربة الحدث اليومي السياسي المؤثر من وجهة نظر الإنسان العادي. هكذا هو الراب، يؤكد أسلوب: «لقد حاولنا أن نقول ما نحسّ به»، موضحاً أنّ «الآخرين» كفرقة وألبوم، هما مزيج بينه وبين نيسم جلال (عازفة الفلوت) كعازفة ومؤلفة وإنسانة. ويشير الفنان المقيم في فرنسا منذ سنوات إلى «أنّنا ألفنا الموسيقى وكتبنا الكلمات مع بعضنا. كانت نيسم تعطيني رأيها في كل شيء. هو ليس ألبومي وحدي». ويعود ليؤكد: «إنها تجربة جديدة بالنسبة إليّ، أخذت وقتاً طويلاً لأنها المرة الأولى التي أعمل بهذه الطريقة. في المعتاد، أؤلف على الكمبيوتر، ثم أطبق ما ألّفته مع الموسيقيين. هذه المرة كان العمل جماعياً، والتأليف مزجاً متكاملاً بيني وبين نيسم ثم مع الفريق». يتكوّن الفريق الذي عمل مع أسلوب ونيسم في الألبوم من الفرنسي سيباستيان لوبون على الدرامز، الكمبودية الفرنسية فيفيان سي فيريان على الباص، المغربي الفرنسي مهدي شايب على الساكسفون والإيقاع، المالي الفرنسي جونكاز لو على الدي جاي، ومهندس الصوت توما فان، فيما تتولى التوزيع شركة L’autre distribution.

أتى ترتيب الأغاني كأنّها «رحلة» في عالم «أسلوب». أنت لا تستمع إلى كل أغنية على حدة، فالحكمة أن تغوص في عالم أسلوب الموسيقي وعمله. يبدأ الألبوم مع أغنية «كأنو ما ضلش حد في البيت». إنها رؤية أسلوب الواقف خارج الاصطفافات: «احنا ممكن نكون مكان هيدول الناس، إحنا عشنا ببلادنا، وكان ممكن نموت فيها، بالتالي احنا أول من يأكل الضرب». صوِّر الكليب الترويجي الذي وضعه الثنائي الفلسطيني-السوري مقاطع من الدمار الذي أحاط بمخيم اليرموك في سوريا، بالإضافة إلى مشاهد من بيتٍ مهدّم (يرجح أنه في فرنسا). يشير أسلوب إلى أنه تقنياً: «لم أستعمل أي إيقاع إلكتروني في هذه الأغنية، بل كان الإيقاع حياً (اكويستيك Acoustic)». كذلك، إنها المرة الأولى التي يجرب فيها «أسلوب» الغناء الشرقي، الذي بدأ بالتدرب عليه منذ سنتين ولا يزال. أما «الآخرين» (أعطت للألبوم اسمها)، فهي «الأغنية التي تحمل الفكرة كلها، أساس فكرة الآخرين» على حد تعبير أسلوب. إذ إنه يعيد تعريف من هم «الآخرين» من وجهة نظره، الآخر الذي يظهره الإعلام دائماً بصورة نمطية: «كأن يكون البعلبكي شوفير فان أو تاجراً للحشيشة، أو السوري عامل باطون، والجزائري ـــ هنا في فرنسا ــ لصّاً، وتجار المخدرات دائماً عليهم أن يكونوا إما سود البشرة أو من المغاربة». ويختصر أسلوب قائلاً بأنّها «أغنية تحارب التنميط، كما الفرقة والألبوم في المجمل».

كتب أغنية «قاوم» بعد استشهاد باسل الأعرج


«حنين للحرية» عبارة عن SKIT أو مقطع صغير، أخذه أسلوب من مشهد من مقطع على اليوتيوب، حيث فتاةٌ صغيرة تغني، لكن فجأة تقع قذيفة بجوارها. هذا المقطع عبارة عن مدخل لأغنية «كان في شيطان» وهي أول أغنية كتبها «أسلوب» قبل ثلاث سنوات تقريباً حين كان لا يزال في لبنان بعد. تتحدث الأغنية عن دخول الإسلاميين التكفيريين إلى العالم العربي، والفوضى التي أحدثوها. الموسيقى التي صنعها أسلوب في البداية خضعت للتغيير لاحقاً، وهي من الأغنيات التي قدّمها سابقاً في مهرجان «الضواحي الزرقاء» (مهرجان شهير يجري في ضواحي باريس) وصوّرها ونشرها آنذاك على اليوتيوب. «بيّاعين» هي الأغنية التي تقدم خصوصية كل واحد منا، بحضارته ودينه وصفاته. يقول أسلوب: «من لبنان إلى باكستان، كلنا نفكر بالطريقة والمنطق نفسيهما. هنا، أهاجم الغرب وثقافته العدائية تجاهنا». تقنياً تقترب هذه الأغنية من الكورس «الشرقي/ التراثي» الذي يعكس روح المجموعة. تأتي أغنية الكلمات متميزةً، إذ يأخذ بدايتها من كتاب «تحيت طيبة وبعد» (كتبت «تحيت» بهذه الطريقة على غلاف الكتاب الأصلي لإيضاح أن العرب لم يعرفوا التاء المربوطة) للمفكر الليبي الصادق النيهوم، ذلك أن أسلوب كان يريد الكتابة عن فكرة الكلمات، و«كم كلمة ممكن تغير علاقتك بشخص، بالمعنى كله، بالمضمون. عندما كنت أؤلف الأغنية، كتبت كثيراً، وحذفت كثيراً، واستعملت الموال المناسب الذي استطاع التعبير عما أريده لناحية فكرة المضمون. الموال كان يجيب عما أقوله. (الموال لمحمد أبو حديد، سوري من قرية سلمية السورية وهي مسقط رأس الأديب المعروف محمد الماغوط). أما في أغنية «قالوا»، فإن أسلوب يتحدّث عن فلسطين، المعشوقة الأبدية، وكيف أن «الفكرة ما بتموت، الأجساد بتموت، هنا أؤكد أننا قاعدون على قلوب الصهاينة، قاعدون وهم أنفسهم يعتقدون بأنهم يستطيعون قتلنا وطردنا من أرضنا من دون أن نفعل شيئاً معتقدين أن كذبة السلام ستنطلي علينا». في المقطع الثاني، يعلّق أسلوب على السلطة الفلسطينية، رافضاً الحلول السلمية. تقنياً أيضاً، يأخذ أسلوب الكورس ليغنّي «شرقياً»، وهي من المحاولات التي يقارب بها هذا النوع من الغناء. ومن ضمن طريقته الخاصة في التعامل مع الموسيقى والغناء الشرقي المحلي الشعبي (البدوي/ النوري) تأتي skit «عداني الوقت»، وهي بحسب كلامه: «قطعة وجدتها على اليوتيوب صاحبتها غير معروفة، هي في مشهد الفيديو تبدو ملثمة. طبعاً الأغنية من التراث السوري/ العراقي البدوي/ النوري. أنا قمت بالريميكس، ونحن في الفيديو كليب نظهر ونحن نفتش عليها (يقصد في الكليب الترويجي للألبوم)».
من جهةٍ أخرى، تأتي «قاوم» FIGHT BACK لتحكي عن فلسطين، وهي التي كتبها أسلوب بعد استشهاد باسل الأعرج، ويحكي فيها عنه، مركّزاً على فكرة أن المقاومة جزء من فكرة الوجود –أي وجود- الأساسية. أما في «أنا العريس»، فيرسم صورةً مختلفةً: نحن أمام مشهدية عرس، والعريس هو المغني. ما يحدث في العرس يشبه إلى حدٍّ كبير ما يحدث في العالم العربي: ضيوف غير مدعوين، جماعات، مذاهب، أطر، جهات كثيرة متنوعة، وحده العريس من لا يعرف شيئاً عن الموضوع وعما يحدث.
وبالعودة إلى المقاطع skits، يترك الفنان الفلسطيني شيئاً للنوستالجيا من خلال «وداع»، آخر أصوات سجّلها قبيل رحيله من لبنان، فتظهر فيها أصوات عائلته وأصدقائه وفرقته السابقة (كتيبة خمسة). وفي الختام لا ينسى أسلوب أن يترك الطريق مفتوحاً أمام موضوعين محددين: الأول في أغنية «مفرق طريق» حيث يقارب حياته وحياة اللاجئين في فرنسا. إنها حكاية الانتقال إلى عالمٍ جديد، عالمٌ لا يعرف عنه شيئاً، عالمٌ يعيده طفلاً، تلميذاً يدرس اللغة الفرنسية للمرة الأولى في حياته، سائلاً نفسه ماذا يفعل هنا، محاكياً التجارب الكثيرة التي تمر معه. ويختتم الألبوم بأكثر الأغنيات حزناً فيه: «مي مالحة» التي تأتي بلا أي إيقاع موسيقي. فقط صوته وصوت نيسم يرويان حكاية مجموعة أناس يقطعون البحر في قاربٍ متهالك بهدف الوصول إلى «أرض الأحلام» الأوروبية. لكن القارب كالعادة متهالك قديم؛ فتتسرب المياه خلسةً مثلهم، فيرحلون بصمت من دون أن يعرف عنهم أحدٌ شيئاً.
في الختام، يأتي ألبوم «الآخرين» مزيجاً متجانساً من الموسيقى المسبوكة بحرفة، مع الكلام المعبّر المكتوب ليحكي قصصاً حول أناسٍ يقاومون كلٌ على طريقته.