بات الأمل في «شفاء» البرامج التلفزيونية اللبنانية مفقوداً. من الترفيه الغارق في التكرار والتهريج والابتذال، إلى الأعمال الاجتماعية اللاهثة وراء السكوبات مهما كان الثمن، إلى تلك السياسية المتنقلة بين الجدالات العقيمة والصراخ و«تمسيخ الجوخ» قبل أن تتحوّل في الفترة الأخيرة إلى منصات ترويجية مدفوعة للمرّشحين إلى الانتخابات النيابية المرتقبة في السادس من أيّار (مايو) المقبل. وسط الفوضى التي تضرب المعايير المهنية، هناك تجربة تستحوذ على اهتمام الجمهور اللبناني (والعربي) وإن لم تكن محلية مئة في المئة.

بدأ الصحافي ومقدّم البرامج اللبناني جعفر عبد الكريم (1981)، مشواره في «شباب توك» على قناة «دويتشه فيله» الألمانية الناطقة بالعربية في تشرين الثاني (نوفمبر)2011. إنّه برنامج حواري ــ تفاعلي يهدف بحسب القائمين عليه إلى «إعطاء صوت للشباب» بمختلف انتماءاتهم وخلفياتهم في كلّ بقاع العالم العربي، فيما يحرص على مناقشة مواضيع منوّعة ومعالجة «التابوهات والقضايا الخارجة عن المألوف» (الإلحاد، والاغتصاب، وتأخّر سنّ الزواج عند المرأة، والعلاقات الجنسية قبل الزواج وخارج إطاره، والتطرّف الديني...)، منادياً بالحرية الفردية واحترام حقوق الإنسان، مع بذل مجهود لافت للتواصل مع المتابعين عبر السوشال ميديا.
مع الوقت، أخذت هذه التجربة تنضج أكثر فأكثر، لتسلك في نهاية عام 2015 طريقاً جديداً عبر تصوير حلقات خاصة ضمن جولات على دول عربية عدّة وطرح مسائل ملحّة ومهمّة تمسّ شبابها ويومياتهم. هذا المجهود، أثمر جوائز لفريق البرنامج ومقدّمه، منها «أفضل برنامج حواري في العالم العربي» في «المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون» (2015)، و«أفضل برنامج شبابي حواري» في «جائزة الهيثم للإعلام العربي» (2016)، و«جائزة البحر المتوسط للصحافة» التي تمنحها «مؤسسة آنا ليند» في فئة الإذاعة والتلفزيون العام الماضي.
كانت للبرنامج المثير للجدل محطات لافتة في لبنان (بالشراكة مع تلفزيون «الجديد»)، لعلّ أبرزها الحلقة التي صوّرها في 2016 تحت عنوان «أريد أن أتزوّج مدنياً... ليه ممنوع؟». لكن الأكيد أنّ تلك التي عُرضت أوّل من أمس بزّت سابقاتها لناحية الفرادة واهتمام الناس، إذ شكّلت «أوّل مناظرة متلفزة من نوعها في البلاد» تناقش المرّشحين للانتخابات النيابية في مواضيع حسّاسة وإشكالية على رأسها الطائفية، والتوريث السياسي، والفساد...
تمّ اختيار ستة مرّشحين شباب يمثّلون «مختلف التيّارات السياسية»، هم: جمانة حداد مرّشحة المجتمع المدني في دائرة بيروت الأولى، وإدغار معلوف مرشّح «التيار الوطني الحر» في المتن الشمالي، وشادي نشّابة مرشّح «تيّار المستقبل» في طرابلس، ونعمت بدرالدين مرشّحة المجتمع المدني في دائرة بيروت الثانية، ومارك ضو المرّشح المستقل في عاليه، وحاتم حلاوي المرشّح المستقل في صور.
في الجزء الأوّل من المناظرة، طُرحت على طاولة النقاش مواضيع كالفساد والبطالة والمحاصصة السياسية، على أن يتم البحث في الجزء الثاني (يبثّ يوم الثلاثاء المقبل ــ 21:00 بتوقيت بيروت) في أمور «أكثر حساسيّة وخلافية، مثل حقوق المرأة كإعطاء الجنسية لأولادها، والتعليم، وسلاح حزب الله، وبعض القوانين المتعلقة بالحقوق المدنية...»، وفق ما يكشف عبد الكريم الموجود في برلين في اتصال مع «الأخبار».
كيف اختيرت العيّنة المشاركة في المناظرة؟ «كما ذكرت في الحلقة, وجّهنا دعوات إلى كل الأحزاب والأطراف السياسية اللبنانية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجمعيات المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة والمثليين والبيئة وغيرها، لكنّنا لم نلق تجاوباً من الجميع»، يقول الشباب اللبناني المولود في ليبيريا. ويضيف: «تشكّل الانتخابات مادّة مغرية لإعداد حلقة مميّزة نقدّم من خلالها منظوراً جديداً لهذا الموضوع، وتمكّن المرّشحين كذلك من رصد ردود أفعال الناس على كلامهم سواء في الاستديو أو عبر المنصات الافتراضية. مع العلم بأنّنا حرصنا على أن يكون الجمهور الحاضر منوّعاً أيضاً بحيث يرى جميع المشاهدين أنفسهم ممثلين فيه، كما شارك الموجودون على البلاتوه في عملية تصويت فورية... لا تنفصل هذه المبادرة عن هدفنا الأساسي المتمثّل في إيصال صوت الشباب الذين لا صوت لهم، لا سيّما بخصوص مواضيع أساسية متعلّقة بالحقوق والحريات».

الجزء الثاني من المناظرة سيتناول مواضيع خلافية كسلاح حزب الله


التحدّي الأكبر بالنسبة لجعفر عبد الكريم كان «عكس التركيبة اللبنانية المعقّدة ضمن الحلقة من دون إغفال أحد، مع إعطاء فرص متكافئة للجميع للتعبير، ناهيك عن اختيار المحاور والموازنة بينها». لكن الشاب الشغوف بمهنة المتاعب منذ الصغر، نجح في تخطّي هذه المطبّات وغيرها، إذ بدا «عادلاً» بين ضيوفه لجهة المساحة الممنوحة لكل منهم للتحدث ومساجلتهم بجرأة واندفاع ملحوظين من دون مواربة أو محاولة لـ «تلميع الصورة»، واستناداً إلى معطيات وأرقام.
في هذا السياق، يبدي عبد الكريم سعادته بـ «نجاح وسلاسة المناظرة»، مشدّداً على أنّه «متحمّس لتكرار التجربة في العراق الذي يتحضّر لانتخابات في 12 أيار 2018، وربّما في بلدان أخرى أيضاً»، لافتاً في الوقت نفسه إلى نيّته الذهاب قريباً إلى «مناطق لم تسبق لنا زيارتها كالجزائر وسوريا والكويت». ولدى سؤاله عمّا إذا كان سيشارك في الاستحقاق الانتخابي اللبناني، يوضح أنّ «ألمانيا هي البلد الذي أعيش فيه وأدفع ضرائبي فيه ويؤثّر على حياتي وقرارتي اليومية، لذا فأنا أقترع هنا».
وبالنسبة إلى مدى انعاكس وتأثير عمله في «دويتشه فيله» على أدائه وأسلوبه، فيؤكد الصحافي الذي تلقّى دروسه الجامعية بين ألمانيا وبريطانيا أنّه على الرغم من حصوله على عروض عمل عدّة «لا أفكّر في الانتقال، لأنّ سقف الحرّية الموجود أساسي جداً بالنسبة لي، إلى جانب الاحترام الكبير لشخصي ولعملي ولقراراتي. أنا متمسّك بهم وهم متمسّكون بي... بوجود الحرية، يصبح المرء قادراً على فعل أي شيء. هذا الشعور هو نقطة تحوّل في حياة أيّ منّا». هكذا، سيُكمل الشاب الذي صنّفته مجلة «ميديوم» الألمانية «أفضل صحافي في ألمانيا» للعام 2016 مسيرته مع المؤسسة الألمانية العريقة، مطبّقاً مبدأه الأساسي بـ «أن أكون مع الناس لأفهم ما الذي يجري. أريد للجميع أن يشعروا بأنّ البرنامج يحاكي أفكارهم وهواجسهم وهمومهم. حتى الآن، أثبتت التجربة أنّ حتى أولئك الذين يعتقدون أنّنا نطرح مواضيع جريئة نوعاً ما، يقرّون بأنّها خطرت في بالهم. فنحن على الأقل نحثّهم على التفكير».

* الجزء الثاني من المناظرة: الثلاثاء 10 نيسان (أبريل) الحالي ــ الساعة التاسعة مساءً بتوقيت بيروت على «دويتشه فيله»

* تُعرض المناظرة بجزءيها على « الجديد» يومي 7 و14 نيسان ــ الساعة العاشرة والنصف مساءً بتوقيت بيروت