قد يكفي عنوان السلسلة الوثائقية «هذا هو اسمي... أدونيس» (إعداد وحوار بيار أبي صعب ـــ منتج زاهر العريضي ـــ إخراج بولا حملايا)، المنوي عرضها أسبوعياً على «الميادين»، ليختصر ما ستضمنه الأجزاء الستة عن الشاعر والمفكر السوري أدونيس، أو علي أحمد إسبر. غوص في حياة وسيرة أحد أبرز المفكرين العرب وأهمّهم في التاريخ الحديث، أعدّه وأداره الزميل بيار أبي صعب، في أولى تجاربه تلفزيونياً.

ستة أجزاء، موزعة بين بيروت وباريس، و«قصابين» (شمال سوريا)، مسقط رأس أدونيس، تتقفى ولادات صاحب «مفرد بصيغة الجمع» الثلاث: الطبيعية في قريته السورية، ونشأته هناك، مروراً بالعاصمة اللبنانية، التي شكلت له «مدينة الاحتمالات»، ونافذة عبور إلى تعدد الثقافات، وصولاً إلى باريس حيث يقيم اليوم، وعبوره «كونياً» الى هناك، الى الشطر الآخر من العالم.
في زمن ندرت فيه الحوارات الثقافية الفكرية، وتقديم مادة تلفزيونية عميقة ومفيدة للمشاهد، تدخل شبكة «الميادين» في هذا التحدي، لتخرج من إطار المقابلات التلفزيونية، الى تحقيق غايتها في التوثيق والتأريخ (ستتحول السلسلة في بداية العام الجديد إلى كتاب وسيصدر الى جانبه DVD)، فكيف إذا كنا أمام شخصية استثنائية وإشكالية، بحجم أدونيس؟ القناة حرصت ـــ كما يقول لنا أبي صعب ـــ على أمانة اللقاء ومضامينه، ولم تمارس أي رقابة مسبقة أو لاحقة، على الرغم من المنسوب العالي للكلام و«المزعج»، ولا سيّما في الشق المتعلق بنقد الفكر الديني.

مشهد من «هذا هو اسمي... أدونيس»

هي تجربة أولى لأبي صعب كانت محطّ اختبار له، ومكاناً لكثير من «الإغراء» لأي صحافي، تسنح له الفرصة، بلقاء «بطرك الحداثة»، كما أطلق عليه، ولا سيّما أنّ أجزاءً من حياته الفكرية، ووعيه النقدي للتراث والدين والفكر، و«تحديث العقل العربي»، بنيت على المنبع «الأدونيسي». كانت محطة في بيروت للحوار والسجال، ولفتح نوافذ على مسار الشاعر وتجربته، شعّبت إلى شقيّن بالنسبة إلى المحاوِر: شق الصحافي والمعدّ الملتزم برسم مسار زمني للحلقات، وشقّ ذاتي يتمثل بأن يكون أمام الشخصية التي شكلت «منبع أفكاره».
تنطلق السلسلة من الولادة في القرية السورية، إلى نقلة نوعية في حياته، عندما كان في عمر 13 عاماً حين تلا قصيدة أمام رئيس الجمهورية آنذاك، شكري القوتلي، والمكافأة التي تلقاها من بعدها في الذهاب للتعلّم في طرطوس، مروراً بعلاقته بأبيه المتمرد، وبالمرأة الزوجة والابنة (أبنتاه نينار وأرواد)، هو القائل في الحلقة الأولى: «إن الحب الذي لا يقام على أساس صداقة عميقة بين الرجل والمرأة، يظل هشاً». المدخل إلى المرأة لا يعني بالتحديد، الزوجة، بل الابنة أيضاً. وهنا، أصرّ الصحافي اللبناني، على إثارة موضوع الكتاب الذي أصدرته نينار بعنوان «أحاديث مع والدي أدونيس»، Conversations avec Adonis, mon père، علماً أنّه يُهمل قصداً في الأحاديث الصحافية مع أدونيس. كتاب وصف بـ «الجريء»، بسبب تضمنه حوارات ونقاشات بين ابنة ووالدها حول قضايا حميمة وخاصة، ما أثار جدلاً عند صدور النسخة العربية منه. نافذة قد تكون ببالغ الأهمية في «هذا هو اسمي... أدونيس» لتشكيلها تجربة فريدة في علاقة الشاعر أو مطلق رجل «عربي»، مع محيطه، بخاصة النسوي، وتطبيقه لأفكاره التحررية والحداثوية على أرض الواقع، ليس فقط في فضاء التنظير.
«الربيع العربي» المجهض، وفشل تطور الفكر الديني، وعلاقته بالنظام السوري


الشاعر الثمانيني سيظهر في هذه الأجزاء، متوقد الفكر، حاضر الذهن تجاه أي تفصيل مرّ في حياته، حتى رجوعاً إلى زمن طويل. سيجنح بين الفكر النقدي التأريخي، ولا سيّما مع أطروحته المعروفة «الثابت والمتحوّل» (نالها من الجامعة اليسوعية)، وبين كونه شاعراً، صاحب تجربة غنية وديناميكية تتكئ على «إعادة قراءة الشعر بطريقة معاصرة»، ولا سيما مع مشروعه مجلة «شعر»، مع الشاعر الراحل يوسف الخال، إلى جانب إثارة قضايا سياسية، وجدلية ستتمظهر في الجزءين الأخيرين في حديثه عن «الربيع العربي»، المجهض، وفشل تطور الفكر الديني، بسبب ارتباطه بالمؤسسة السياسية، وعلاقته بالنظام السوري، وبـ «البيئة العلوية» خارج الإطار الضيق للمصطلح. ولعلّ الإشكالية الأهم، التي أراد أبي صعب بلورتها، هي لدى سؤاله أدونيس: «كيف يفكر ويعيش اليوم، أمام مشهد انهيار مشروع الحداثة والنهضة العربية، الذي آمن به؟». في زمن العصبيات و«قطع الرؤوس»، كيف لمفكر و«أيقونة الحداثة في العالم العربي»، أن ينظر إلى هذا الجحيم الذي يزنّر العرب؟
الأجزاء الستة متوزعة بصرياً، بين قرية أدونيس، وموطن الحوار الصحافي في بيروت، مروراً بباريس، وبين موسيقى وشعر، تولى دفتهما الفنان السوري عابد عازرية (راجع الكادر)، في إعادة توزيع لأسطوانته «عابد عازرية يغني أدونيس»، وتقديم نصوص شعرية للضيف، إضافة إلى فلش أرشيف كامل لأدونيس، ووضعه تحت تصرّف فريق العمل، عائداً بنا 60 عاماً إلى الوراء، من مخطوطات وصور شخصية. أضف إلى ذلك حواراً مع المدير الثقافي لـ «معهد ذاكرة النشر المعاصر» في شمال فرنسا، اللبناني الأصل ألبير ديشي، حيث يستوطن أرشيف كل الكتّاب العالميين، وهو المكان الذي وضع فيه أدونيس أرشيفه الكامل.

* الجزء الأول من «هذا هو اسمي... أدونيس» ـــ بعد غد الأحد ــــ 21:00 على «الميادين» ـــ الأجزاء الأخرى تعرض كل أحد في التوقيت نفسه



بصوت عابد عازرية


عندما نذكر اسم عابد عازرية (الصورة)، نستحضر اسماً لفنان سوري عاش أغلب حياته في العاصمة الفرنسية، وتفرّغ لكنوز الصوفية ولموسيقى صعبة بعيدة عن النفس التجاري، وغاص فيها بحثاً عن الحضارات القديمة. عازرية سيظهر في هذه السلسلة مؤدياً ومعداً موسيقياً لبعض مقاطع أشعار أدونيس، مع فرقته الموسيقية، وهو الذي أصدر قبل أعوام أسطوانه كاملة «عابد عازرية يغني أدونيس». هذه المرة، قام فريق عمل «الميادين» باستئجار استوديو ضمن «متحف الفونوغراف» في باريس، وقصد تقديم هوية سمعية للأجزاء الستة، من خلال إعادة توزيع جديدة للقصائد وللموسيقى.
عازفون/ات ومؤدون/ات، من جنسيات عربية وغربية، سيتولون تنفيذ مقاطع موسيقية سمعية - بصرية تنضم إلى أجواء الحوار التلفزيوني، ما منح العمل الوثائقي ثقلاً وحمل له معاني موسيقية شكلت أحد أعمدته.