بعد منتصف العام الماضي بقليل، حَظيت بقراءة السيناريو الذكي، المحكم والمثير للاهتمام للمخرج الفلسطيني سامح زعبي بعنوان «تل أبيب على النار». كوميديا لاذعة ومركبة تحاكي الواقع الاجتماعي والسياسي بذكاء لا يقل أهمية عن اختيار الـ «سوب- أوبرا» لغة للتعبير عنها.

وافقتُ وشاركتُ في الفيلم رغم معرفتي بوجود تمويل إسرائيلي محدود، ورغم خيبات أملي السابقة من تجارب مع فنانين من فلسطينيي الـ 48. إذ تسامحت مرغمة مع وجود «نسبة محدودة» من تمويل أفلامهم من الصناديق الإسرائيلية تمكّنهم من إنتاج العمل الذي يعاني نقصاً حادّاً في التمويل، دون الوقوع في الالتزامات القانونية التي تحول أفلامهم إلى منتوجات إسرائيلية تصب في تلميع صورة المحتل بكونه مانحاً وشريكاً طبيعياً سوياً. بمعنى أنّها تمكنهم من الحفاظ على الهوية الفلسطينية أو/و اللاإسرائيلية للعمل، كشرط لمشاركتي فيه، حين لم أنجح في إقناعهم بالتخلي تماماً عن هذا التمويل.
كنت أتسلح بالأمل بأن يكون مضمون العمل، كما هويّته والترويج والتصريحات المرافقة له، بقوة تمكّنه مع الفنان القائم عليه، من استعمال هذه النسبة لصالحه سياسياً، رغم قناعتي باستحالة العدل بين عشيقين/ عشيقتين (لكي لا اقول أربع زوجات).
هذا «التبرير» الانتقائي كان لبعض أفلام فناني أراضي الـ ٤٨، فلسطينيي الهوية والقومية والانتماء والهوى، وإسرائيليي «المواطنة» قانونياً. وكنت قد استقيت عذري هذا، في حينه، من موقعي كممثلة في تجربة قديمة قام بها بنجاح أحد مخرجي الـ ٤٨، إضافة الى قراءة شكلتُها للواقع حول الإمكانات والأساليب التدريجية ــ إن صح التعبير ــ لتحقيق قيم وثوابت المقاطعة التي أؤمن بها في أراضي ٤٨، لأهمية وجود هامش الخطأ والتجربة الذي يحتاجه، للأسف، عدد لا بأس به من فلسطينيي الـ 48 في مسار إعادة تربية ذواتهم، وتماشياً مع اللاقرار أو اللاوضوح القادم من حركة المقاطعة الثقافية بخصوص أبناء هذا المجتمع الفلسطيني تحديداً وخلافاً لغيره من «مجتمعاتنا الفلسطينية». إلا أن الاتفاقيات والوعود في عملين سابقين، بأن لا تتعدى نسبة التمويل الإسرائيلي رُبع مجمل الميزانية، لكي يتمكن صاحب الفيلم من خوض معركة قانونية حول هوية الإنتاج، كانت قد ذهبت مع أوّل نسمات النجاح. وبالمناسبة، فقد مرت هذه الأفلام دون ضجيج يُذكَر فعلياً، ودون معالجة أو عِبَر، وبالتالي، فتحت الطريق لغيرها بالاستمرار في ذات النهج وبقوة. منحني المخرج سامح زعبي مشكوراً من وقته وتفكيره كثيراً وأنا أواجِه قلقي وشكوكي حول مشاركتي، رغم محدوديتها. جرت بيننا أحاديث ونقاشات مطوّلة قبل اتخاذ قرار المشاركة وخلال التصوير كما بعده. اعتقدت أني وصلت الى القناعة اللازمة بأنّ مشاركتي وعملي على إنجاح الفيلم ودعمه، هي في تناغم مع إخلاصي لنفسي وقناعاتي، خاصة بعدما وفى المخرج بوعوده، بأن لا تزيد نسبة التمويل المذكورة سابقاً، وأننا بصدد إنتاج فيلم فلسطيني أوروبي الهوية والمضمون. لكني أدركت لاحقاً أن قناعتي كانت آنية.
كنت قد اعتقدتُ في لحظة جهل، أن رفضي التعاقد مع الشركة الإسرائيلية والإفادة من عائداتها مادياً ومهنياً، أو التعاون معها، كان كافياً لترسيخ وإعلان موقفي الرافض منها. شاركت في الفيلم كعضو في الطاقم الفرنسي وبالتعاقد مع الشركة الفرنسية المشاركة في الإنتاج، وعَملْت مدربة لغة مع الممثلة المميزة لبنى الزبال، للقيام بدورها باللغة العربية الفلسطينية واللغة العبرية. لكني قمت أيضاً بالمشاركة في تمثيل دور ثانوي رغم أهميته، في الفيلم ذاته، وكنت فيه الشخصية التي تتحدث بقيَم المقاطعة التي أنتمي إليها.
وهنا التناقض الفاحش، فالأمر لا يتعلق بصورتي في مرآتي، وإنما بدوري في حياة الآخرين، وما أُقدّمه مِن نجاح للاحتلال على صعيدين: الأول إنجاح مشروعِه في المشاركة في عمل ثقافي فلسطيني. وكلما كان هذا العمل أكثر نقداً للمحتل، كلما أصبحَت مشاركته عملية تمييعية لهذا النقد، وبالتالي تلميعاً لصورتهِ. أما الصعيد الثاني، فهو تقديم نموذج سلوكي تَدجينيّ يَحتذي به الآخرون من أبناء فلسطين- فلسطيني أنا - التي عملت للحفاظ عليها واعتقدت أنّي ما زلت على نفس الوعد.
يأتي مقالي هذا بعدما فاض كيلي ولم يعد لدي مُتسع في الدماغ أو الأوراق للتفكير والتبرير، ولم تَحتمل روحي العبء الذي خَلّفه اختياري. ولا يَصِح في قوانيني، في مثل هذا الحال، إلا أن أُعلن أني أخطأت.
قلة هي الأفلام الفلسطينية التي شاركت فيها عموماً، «تل أبيب على النار» هو الفيلم الفلسطيني الثالث ألذي اشارك فيه منذ عودتي إلى التمثيل في ٢٠١١، بعد انقطاع طويل لأسباب سياسية. لم أقبل يوماً تمويلاً إسرائيلياً أياً كان، ولو بنسبة واحد بالمئة، لأي من أعمالي الإخراجية رغم العروض والفرص المتاحة، وطالما وجدت حلولاً تتماشى مع رفضي ــ المبدئي منذ بداياتي ـــ للتمويل الإسرائيلي لأي تعبير ثقافي فلسطيني. علماً بأني أنتمي إلى الأفراد (الكثر) الذين اعتبروا تأسيس حركة المقاطعة رسمياً، تحقيقاً لحلم وتأسيساً لنهج اتبعناه بشكل فردي لسنوت. ولكوني جزءاً من أهل وفناني الـ ٤٨، الذين نحمل رسمياً ما يسمى بـ «المواطنة الإسرائيلية»، أياً كان تَدرّجها وتصنيفها ومعناها أو حقوقها، أقول إني أنتمي أيضاً بفخر إلى الفئة التي لا ترى غضاضة في شرح وإعادة تفسير واقع الـ 48 لكل من يطلبه، ولا أرى بذلك تبريراً. بمعنى، أني لا أتعامل مع السؤال كشك، لا مع الشك كتهمة، ولا أرى في نفسي إلا أحد الجسور المضاءة التي تهيئ الفرصة لتعليم وإعلام الآخر بما يمكن أن يَجهله عن الواقع المُركّب والمُشوّه الذي نعيشه، والخاضع أبداً للتحايل والاستراتيجيات، وبالتالي للتغيير المستمر. لا يخفى على أحد أننا في استهداف مستمر، وعمليات تمييع وإسقاط ومحو للذاكرة، ولتبني الآخر والانتفاض على ذواتنا نحن، صالحينا وطالحينا، مخلصينا، منتفعينا وسُذّجنا. ومن حق كل مَن يناضل معنا، لقضيتنا ولفلسطينِهِ، أن يتساءل عنا، فكراً وممارسة، ونحن من سيعطي الأجوبة بطيب خاطر والشكر للمستمع وطالب المعلومة.
أخرجُ بمقالي هذا عن صمت طويل كان أحد أسبابه تدهور مستوى الطرح والنقاش في منابر ما يسمى بـ «التواصل» - «الاجتماعي»، والتراشق التافه بالألفاظ والأحكام، مقابل ندرة المواقف والإنتاجات المُشرّفة، فكنت إلى جانب الصامت المترفع، لكني لم أترك مجالاً للشك، في محيطي، أني أرفض منع الأفلام وحرق الكتب أو إخفاءها، ولو كان ذلك ضمن أطر محاربة التطبيع التي أؤمن بها. إن كان الهدف من المنع هو العقاب الاقتصادي، فهناك منابر واستراتيجيات أكثر منطقية ونجاعة علينا اتباعها، وإن كان العقاب من خلال التشهير، فهو التشهير في الفكرة والممارسة وليس في الشخص، وبالتالي الحكم هو على العمل وليس على مسيرة حياة الشخص، إلا إن كانت ممارساته متكررة وتثبت عكس ذلك، بمعنى تجليها في «مشروع» ونهج فكري سياسي أو مشروع إسقاط مثلاً. إضافة إلى أن الأفلام ذاتها، ستعرض حتماً في أماكن أخرى وستصبح مقاطعتها حملة دعائية لها. من ناحية أخرى، عدم مشاهدتها يمنعنا بالضرورة من دراستها، وتفكيكها ونقدها، وبالتالي الاقتناع بالضرر الذي تسبّبه واستعماله في البرنامج التوعوي التربوي للحد منه. لكني في الوقت ذاته، أرفض عرض هذه الأعمال احتفالياً أو تماشياً مع آخر مغريات الأسواق، ومن دون منابر نقاش ونقد واضحة المعالم من شأنها تشكيل أجوبة عينية تقنع المشاهد وتربيه، أي تُجنّده، في صفوف مقاومة هذه الممارسات. كلنا دون استثناء، كنا قد شاهدنا وما زلنا نشاهد أعمالاً صهيونية أو عالمية تقدم لنا الصهيونية على أطباق فاخرة، ولم تلق هذه الأعمال معالجة أو تعاطياً بمستوى أذيّتها. لعل ذلك بسبب كثرتها أو عدم القدرة على قراءتها، وتفكيكها، وفهمها، حتى إنها دخلت عقول الناس وأرواحهم قبل بيوتهم، وأصبحت حلماً يسعون إلى تحقيقه، ظناً منهم أنّه النضال.
أعي حساسية مقالي وتناولي للموضوع الشائك، كما للعاصفة من الأسئلة التي من شأنها أن تثار، بدءاً من توقيت النشر ومقاصده مروراً بالشك في نواياه والمنفعة التي حصدتها أو بالإمكان خسارتها من النشر وما الى ذلك. وهي أسئلة هامة معروفة ومشروعة، إلا أنها لا تقع في مسار هذا المقال الذي يهدف إلى إعلان موقف شخصي أتحدث فيه عن نفسي فقط وأتحمل نتائجه. علماً بأني لست على اتصال مع القائمين على حركة المقاطعة الرسمية. فما اعتبره خطأً في مقالي، هو سلوكي العيني هذا الذي حادَ عن الطريق الذي اتبعته وأريده وأسعى للحفاظ عليه.
ثقتي كبيرة بأن تتحقق ترجمة السيناريو ومضامينه السينمائية والسياسية، التي دهشت من ذكائها، على الشاشة بنجاح، وأن يطرح الفيلم نفسه بعنفوان يطغى على مطب المشاركة الإسرائيلية في الإنتاج. كما أتمنى التألق للمخرج وطاقم الممثلين الفلسطينيين في مسيرتهم وأعمالهم القادمة، فقد سعدت بتواجدي معهم وهم في غنى عن التعريف مهنياً وإنسانياً ووطنياً.

لو لم يتعاون الفنان مع الصناديق الإسرائيلية، لما نجح قانونهم في تدجينه


لكني على ثقة بأهمية الحظر التام لأي إنتاج فلسطيني، بأن يجمع ما بين الهوية الفلسطينية والتمويل الإسرائيلي بشكل قاطع. حان الوقت أن يرقى الفنان، الذي ينادي بهويته الفلسطينية، بأفعاله لتتماشى مع تصريحاته، وإلا فلتتماشَ تصريحاته مع ممارساته، خاصة أنّ «محاولات الاستذكاء القانونية» فقدت نجاعتها تماماً بعد إعلان القانون الإسرائيلي بأن أي نسبة تمويل ولو ضئيلة تحول العمل الفني ومخرجه إلى «اسرائيلي». بمعنى أنه لا مكان للالتباس في المواقف. أقول هذا بأسى، لأن أفعالنا لا تزال ردوداً للفعل الإسرائيلي فقط، فهو الذي يشكل المواقف. ولو لم تسَوّل للفنان نَفْسه في التعاون مع الصناديق الإسرائيلية سابقاً، حتى أدمنَها، لما نجح القانون الإسرائيلي بأن يُدجّنه، يُساومه ويَلفظه.
لطالما وقع مناضلون ووطنيون وأشخاص لا غبار عليهم سياسياً في مطب التطبيع المحكم والمتربص بنا جميعاً، وشاركوا بعدم دراية أو جهل أو سوء تقدير، في مشاريع أو حتى في سلوكيات لفترة ما. واعتقد أن حركة المقاطعة كانت دليلاً ومعلماً للكثيرين الذين انضموا لها لاحقاً. ومن هنا تنبع القيمة العالية للجانب التوعوي التربوي لحركة المقاطعة عالمياً وفلسطينياً. وإن كان النقاش مستمراً بين تيارات متناقضة في أراضي الـ٤٨، فيما يخص الخطوط الحمر العريضة للمقاطعة، فهو بسبب استمرار «نجاح» الاحتلال وبقوة، في تقسيم فلسطين إلى مجتمعات منفصلة متشرذمة لكل منها واقعها وحاجاتها واستراتيجيات عيشها. وهو الذي عمل أيضاً على جعل أراضي الـ ٤٨ منسلخة ومختلفة عن غيرها لرغد حياتها اليومية قياساً مع المجتمعات الفلسطينية الأخرى، وجعل من ارتباطها العضوي ـــ بحكم الموقع والتاريخ الاحتلالي فيها ــــ جزءاً من دولة الاحتلال رغم ما نعرفه جميعاً عن التمييز في المواطنة والحقوق والاستهداف. من هنا، كان ما يسمّى بـ «صعوبة» تطبيق آليات المقاطعة فيها، اضافة الى اللّغط الموجود بين «الاستفادة» من حق استعادة الضرائب المدفوعة للسلطات الإسرائيلية من أجل ضمان خدمات مدنية في الحياة اليومية والحقوق الإنسانية الأولية للـ «مواطن»، وبين «ترف» الإنتاج الفني والثقافي الذي نعيشه ونتبناه، كأننا غيرنا، تحت زيف مسميات مثل «انتزاع المساواة» و«مواطنة العالم».
لكافة التوجهات والممارسات السياسية والفنية والثقافية مكانها في التواجد، وبطبيعة الحال يعمل كل منها لإنجاح مذهبه، لكني شخصياً أستمِرّ بتربية الأمل، بأنه سيأتي يوم يرجُم فيه المثقف فكرة البقرة الحلوب، ويتوقف عن استنزافها، خاصة أن التاريخ سيحكُم علينا جميعاً لا محالة، ولو بعد حين، كوننا جميعاً وبدون استثناء أرشيف المستقبل.

* سينمائية فلسطينية