«إنني أسكن في عالم مشقّق، في خيمة مثقوبة، وأجدُ حريتي لا تأتيني إلا من خلال هذه الثقوب. إن أروع وطن للإنسان هو داخله، مع أنه وطن وعرٌ وحلزوني (...) هل تستحق الحياة شيئاً منا؟ هل تستحق أن نترك لها شيئاً ما؟ اليوم لا أستطيع أن أراها إلا من خلال جِلْدي». لم تكذب نبوءة كمال خير بك التي خطها في ديوانه «الأنهار لا تتقن السباحة في البحر» حين رأى بجِلده تلك الرصاصات الغادرة التي استقرت في جسده. فكما رثته خالدة سعيد، «كان يحمل هويته مثل راية. لكن هوياته الشعرية الآتية ظلت وعوداً وبلا توقف سنبحث عنها في أفق هذه الأشعار وفي غيب معانيها». ناب الحرب الطويل سيمتد إلى شاعر آخر عشية الحرب العراقية ـ الإيرانية عام ١٩٨٠. إنّه موسى شعيب الذي عرفناه في أغنيات لمرسيل خليفة وأميمة الخليل وغيرهم مثل «هيفاء»، و«العائد» و«جنوبي أنا»، وقد صدرت أعماله الكاملة (٢٠١٥) التي يدعو شعيب في مقدمتها الشاعر إلى «أن يعيد للغة لحمها ودمها وشرايينها، أي تاريخها «الإنساني» بحيث تصبح اللغة جسد المعاناة لا وعاءها، ويصبح دورها خلقاً وحضوراً، لا سرداً ووصفاً. على الشعر أن يعيد توحيد الناس في اللغة ليوحد رؤيتهم للحق والخير والجمال، ويؤهلهم لقلق أرقى وأشمل». مارد ثالث، خليل حاوي الذي لطالما بشّر للقيامة المشرقية ولحياة جديدة يعمرها خصب الأرض وخصب الزنود التي تبني الملحمة. ولأن يقين الشعراء صعب مستصعب، داهمت حاوي رؤيا كئيبة في قصيدة «لعازر ١٩٦٢». رؤيا كانت تمهد للرصاصة التي أطلقها على رأسه عام ١٩٨٢، حين رأى الدبابات الإسرائيلية في حرب لبنان الأولى عام ١٩٨٢، تعبر الجسر إلى قلب بيروت.

«تمثال الشهداء» لمنى حاطوم

زُخْرُف
جارتي يا جارتي
لا تسأليني كيف عادْ
عاد لي من غربة الموت الحبيبْ
حجر الدار يغني
وتغني عتبات الدار والخمرُ
تغني في الجرارْ
وستار الحزنِ يخضرُّ
ويخضرّ الجدارْ،
عند باب الدار ينمو الغار، تلتم الطيوبْ
عاد لي من غربة الموت الحبيبْ،
زندهُ من بيلسانٍ حول خصري
زندهُ يزرع نبض الوردةِ
الحمرا بعمري
بعد أن رمَّد في ليل الحدادْ
من يظن الموت محواً
خلِّه يحصي على البيدر
غلّات الحصاد
ويرى وجه حبيبي
وحبيبي كيف عادْ
عاد لي من غربة الموت الحبيبْ
كنت أسترحمُ عينيهِ
وفي عينيَّ عارُ امرأةٍ
أنَّت، تعرَّت لغريب
ولماذا عاد من حفرتهِ
ميتاً كئيبْ
غيرُ عِرقٍ ينزف الكبريتَ
مسودَّ اللهيب.
المقطع الخامس من قصيدة
«لعازر» عام ١٩٦٢
* خليل حاوي (١٩١٩ ـ١٩٨٢)

البجعة والعنكبوت
بجعةٌ صغيرةٌ تتشمس في ذاكرتي. عنكبوتٌ
أخضرُ يحمل حقيبتَهُ ويعبُرُني.
فجأة يتوقف العنكبوت على قمة لساني. يفتحُ
حقيبتَه المطرَّزة، على مهلٍ، ولا يلتفِتْ. وفجأةً أيضاً،
تنتفض البجعةُ فوق شرفة الذاكرة، وتسقطُ في الحقيبة
التي يُغلِقُها العنكبوت ويمضي.

حجم الحياة
لا الشفاه تجدي ولا الكلمات.
ها هي العاصفة تتشكّل بطيئة بين المَسامْ
تمدُّ رأسها من خلال الأصابع المتشابكة كالعشّاق.
أَعلَمُ أنها ستنفجرُ اليوم أو غداً
لتخترقَ الحواجزَ والجدرانْ
لتركضَ فوق دفاتري وأيَّامي كالجياد المتوحّشة.
أَعلمُ أنّ لجامها سيفلتُ من يدي اليوم أو غداً
أو بعدَ غد. وأنها ستبعثر تحت حوافرها الغاضبة كلّ
مرافئي وتيجاني.
الموجة تقترب. الموجة تتّحد بالسرير.
والسريرُ يداكِ وعيناكِ التي تهبّ من حزني العميق.
لا الجسد يكفي ولا الروح. الموجة تولد وتمتدّ وتلتفّ
على ذاتها كالمأساة،
لا الحب يكفي ولا الشهادة. الموجة تخرج من ذاتها
لترتمي وترفع زبَدها الساطع بيرقاً للموت.
لا شيء يكفي. من أين لنا بصليب بحجم الحياة؟

غياب
ها غيابك يأتي
ها غيابك يأتي بطيئاً كخطوة الشبح
يمد رأسه من نهاية الممر
ويقْبِل نحوي.
يقف قليلاً، يتمدد كالفهد عند العتبه
ثم يثب كالرمح باتجاه القلب
ليمنحني فراده الليلي وأنيابه الساطعة.
بيني وبينكِ الآن
سلالمُ وقارّات.

انتونان آرتو
آرتو، آرتو
ما زلنا نسير في جنازة جسدك الحي
في جنازة بعثك
الوجوه ترقّع النوافذ
الوجوه تسند الجدران المائلة
وأنت وأناـ جسدنا يسبقنا ككلاب الصيد
نسير في جنازة العالم
نكاد نبكي من الضحك
ونضحك من البكاء
نسير في أروقة الرَحِم المزدهرة بالتوابيت.
* كمال خير بك (١٩٣٥ـ١٩٨٠)

العائد
ومررتُ أمس ِ على الديار
أنفض الحزن المعشش في الجدار
وألثم الأرض التي وطئ الصغار
وجثوت عند قبور أحبابي
وأعينهم مصابيح القبور
ما أطفأَتْها الريح عبر موانئ الليل الضرير
وشممت ريح القمح
والعرق المخثر والبيادر
ومعالف البقرات والصيف المهاجر
وعلى مدى الطرقات
رعيانٌ وأشواق دفينة
وحناجر تلهو بأغنية حزينة
«أماه أين أبي»
هناك يمد في صمتٍ جذورَه
هو في ضمير الحقل...
ملح ترابه، سر الخميره
هو بسمة الصبح الندي
ودمعة الشفق الشجي
هو عائد حمل اليدين
كما تعود في العشيّ
وسمعت صوت أبي
يجيء صداه في أعماق البحار
مرحى بُنَيّ، وإن أطلتَ
فنحن بَعْد على انتظارٍ
كم أسلَمَتك الريح للغيلانِ
يا ولداه في وضح النهار
ولكم شقيت وأنت تضرِب عبر سالفة الديارِ
وتقاذفتك مرافئ الأحزان والدم والغبارِ
مرحى بُنَيّ، تعودُ
هذي الدار أرفق بالصِغارِ
هي دار أهلك فهي أرفق بالصِغارِ.

أحبتي
برسم الشعر نلتقي هنا، عفوكم.
لربما شهدتم على فمي مصرع الحلم، ولربما واكبتم في قصائدي جنازة الجمال.
إبن فقر أنا، ما عرفت دمى الخزف ولا أفراس الخشب، وفي فمي اشتياق للدهشة.
الشعر عندي هو الألم. أما الفرح فيُعاش، يقفز على العشب، يتقلب تحت الشمس، يستحم في الساقية.
الألم وحده يُكتب، يتكثف في الداخل، يخض الأحشاء يتفجر ويُفَجِّر، يستحيل إلى شعر.
ولكن الألم غير اليأس، إذ الخلاص الأصيل إبن الألم الأصيل.
وفي رحم الشتاء المتوجع تخفق براعم الربيع،
وفي كبد الظلمة يمور سنا الفجر.
* موسى شعيب (١٩٤٣ـ١٩٨٠)