بهدوء، غادر ميلوش فورمان (1932 – 2018) هذا العالم. انسحاب يستكمل اعتزال السينمائي التشيكي الأميركي، منذ ظهوره الأخير كممثّل في الميوزكال الرومانسي «محبوب» (2011) لكريستوف أونوريه. مشهده في السرير مع كاترين دونوف، لا يُنسَى في الحضور والعفوية. في الوقت نفسه، يتعارض مع حياة حافلة بصخب وتقلّبات وتمرّد وجنون ودفق إنساني، ما يجعل فورمان مناسباً ليكون بطل أحد أفلامه. هو أشهر وجوه «الموجة التشيكيّة الجديدة»، التي توهّجت وانطفأت في ستينيات القرن الماضي. ببراعة، يتمكّن من نقل شيء منها إلى هوليوود، صانعاً تحفاً أصيلةً لا تشبه سوى صاحبها.

الولادة في كاسلاف، تشيكوسلوفاكيا. الأب بروفسور. الأم تدير فندقاً صيفياً. تندلع الحرب العالميّة الثانيّة. لا يكمل ميلوش العاشرة، قبل أن يصبح يتيماً. يُقتَل الوالدان على يد النازيّين في معسكرات الاعتقال، بسبب اتهامهما بالانضمام إلى المقاومة. لاحقاً، يكتشف أنّ والده الحقيقي معماريّ يهودي، نجا من الحرب، وهرب إلى أميركا الجنوبيّة. هكذا، يقوم أقاربه بتربيته. يدرس السيناريو في أكاديمية الفنون المسرحية في براغ، أو مدرسة السينما والتلفزيون (فامو)، وهي خامس أقدم مدرسة سينما في العالم. أثناء الخمسينيات، يكتب ميلوش نصوصاً، ويساعد مخرجين. في عام 1963، يشارك في إطلاق «الموجة التشيكيّة الجديدة»، مع أسماء مثل بيري مينزل، وفيرا تشايتلوفه، وغارومير غيرس، وإيفان باسر، ويان نيميك. سينما تقترح سخريةً لامعةً من أشدّ الأحداث مأساويةً، والمظاهر تكريساً. نقد لاذع لممارسات الشيوعيّة على المستوى الاجتماعي.

نزعة ليبرالية متصاعدة. عبث، وشعريّة، وتجريب، وجنس. استقاء من الأدب التشيكي (ميلان كونديرا اسم مرافق للموجة. درس الأدب في مدرسة سينما في براغ، وكان مقرّباً من المخرجين). بيد أنّ الموجة التشيكيّة لم تحلّق كليّاً خارج الجلباب الكلاسيكيّ. صحيح أنّ الكاميرا خرجت إلى الأماكن الحقيقيّة، إلا أنّ التكنيك لم يجارِ ثوريّة «الموجة الفرنسيّة الجديدة». كل ذلك لا يروق لغودار والرفاق. يشتعل العداء بين الموجتين.
فورمان يتأثّر بروّاد مهّدوا للموجة، مثل أوتاكار فافرا، وفويتيش ياسني، وكارال كاخينا، وإلمار كلوس، ويان كادر وفرانكيشيك فلاتسيلا. يمزج ذلك بهوى غربي، مع كبار أمثال شارلي شابلن، وأورسون ويلز، ومارسيل كارنيه، وفيتوريو دي سيكا، وجورج ستيفنس، وكوبولا، وفيلليني، وجورج لوكاس، ومايكل كيمينو. هكذا، يصنع فرادةً لذاته ضمن الموجة نفسها، ليصير أشهر أسمائها. يضع ممثّلين غير محترفين أمام الكاميرا. يترك هامشاً مضبوطاً للارتجال. إيمانه بقدرات أبطاله، يستمرّ طوال مسيرته. لم يمانع ترك مساحة للتحرّر والتحليق، مشتغلاً على الأدوار الصغيرة والكبيرة بنفس الاهتمام والدأب. أيضاً، يثبت أنّه من أكثر الصنّاع قدرةً على إخراج أحسن ما في الممثّل، وضبط الانفعالات بميزان من ذهب. يظهر ذلك في مشاهد الشخصيات الكثيرة، التي يجيد رسمها من كلّ النواحي. النتيجة إيصال ثمانية ممثّلين إلى ترشيحات الأوسكار، فيتوّج ثلاثة منهم. في «المرحلة التشيكيّة» من حياته، يتحرّر ميلوش من شعارات وإرث الفيلم الستاليني، مشتغلاً على السيناريو مع صديقيه إيفان باسر وياروسلاف بابوشك. يتوجّه إلى «مشاكل الحياة، أفراح وأحزان هؤلاء الناس، الذين ليس لديهم أدنى اهتمام بأن يصبحوا يوري غاغارين»، مقدّماً رؤيته الخاصّة في الكوميديا.

عالم من الخفّة والفكاهة والغنائية وشخصيات مغايرة في التفاصيل والمسارات. باكورته في الروائي الطويل «بلاك بيتر» (1964)، تأتي بعد عدد من الوثائقيّات والأفلام القصيرة. يرصد مراهقاً يترك المدرسة، ليعمل في أحد المتاجر. يختبر مشاعر جديدة، وجوانب طازجة من الحياة. الشريط يلفت الأنظار بإسقاطات السياسة، وجائزة ذهبيّة في مهرجان لوكارنو. يضرب ثانيةً في «غراميّات شقراء» (1965)، الأيقونة الأشهر والأكثر تعبيراً عن «الموجة التشيكيّة الجديدة». في بلدة نائية، تقيم عاملة بسيطة في مصنع أحذية علاقةً مع عازف بيانو آتٍ من العاصمة. تعود معه إلى منزل عائلته، ليواجها حكم جيل أكثر تقليديّة. بطرح جريء، وأسلوب أقرب إلى الوثائقي، ينافس فورمان على «أسد» البندقيّة. ينال ترشيحاً لأوسكار أفضل فيلم أجنبي. في «حفل الإطفائيّين» (1967) أوّل أفلامه الملوّنة، يبلغ ذروة انتقاد الشيوعيّة، من خلال احتفال تقاعد رجل إطفاء مصاب بالسرطان. ذكاء الطرح يجلب له دعوةً للإخراج في أميركا، رغم منعه وفشله التجاري في موطنه. بينما يفاوض على موطئ قدم هوليودي، يندلع «ربيع براغ» 1968. يغزو حلف وارسو بلده. يُطرَد من الاستوديو الذي كان يشتغل لصالحه، بحجّة عمله بشكل غير قانونيّ خارج البلاد. تندثر الموجة التشيكيّة الجديدة تدريجاً، مع عودة أفلام البروباغندا، وهجرة أغلب الصنّاع أو انصياعهم. يقرّر ميلوش عدم العودة إلى براغ مجدّداً. لاحقاً، ينال الجنسيّة الأميركيّة منتصف السبعينيات. يصبح أستاذ السينما في جامعة كولومبيا، ورئيساً مشاركاً لقسم التصوير مع أستاذه السابق المخرج التشيكي المعروف فرانتيسيك دانيال. ينضم له رفيق الكفاح إيفان باسر في الوطن الجديد.

واحد من ثلاثة فقط نالوا أوسكار أفضل فيلم مرّتين


ما سبق كلّه يقود إلى هاجس طبيعيّ في سينما فورمان: التمرّد. الحاجة إلى التغيير والثورة على أيّ منظومة، سواءً كانت مجتمعيّة أو حكوميّة، انطلاقاً من الفرد وانتصاراته الصغيرة. لطالما تحدّث عن الرقابة الذاتيّة، الأسوأ من الرسميّة. في بدايته الأميركيّة «إقلاع» (1971)، يعود إلى الفجوة بين الأجيال، ومدى تفهّم الأهل لأبنائهم. سقوط تجاري، وتقدير نقدي (جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كانّ)، كما العديد من أعماله. سريعاً، ينزلق المهاجر التشيكي إلى الحضيض والإفلاس. يقطن «أوتيل تشيلسي» المتواضع. «جنّة البوهيميّين» لصاحبه ستانلي بارد المحب للفنّانين، الذي يصبر على تحصيل المال.

«اليوم، يُعدّ هذا الفندق من أهم غاليريات الفنون في نيويورك، لأنّ التشكيليّين المفلسين اعتادوا الدفع باللوحات» يقول ميلوش متذكّراً بابتسامة عريضة. بعد أربع سنوات، تضحك الدنيا. ينجز تحفته «طيران فوق عش الوقواق» (1975)، عن رواية كين كيسي. مرضى يتمرّدون على وضع خانق في مصحّ عقليّ، بقيادة جاك نيكلسون في أداء عمره. بالمقابل، تلعب الممرّضة (لويز فليتشر) دورها القمعي على أكمل وجه. ليس من باب القسوة أو التلذّذ الساديّ، بل لأنّ إتقان المهنة يتطلّب ذلك. فورمان لم يتخوّف من إنجاز شريط شديد الأميركيّة. هو الأقدر على فهم جوهر الثورة والتمرّد. النتيجة مدهشة. الأوسكارات الرئيسة: أفضل فيلم ومخرج وسيناريو وممثّل وممثّلة، في إنجاز لم يحققه تاريخياً سوى «حدث ذات ليلة» (1934) لفرانك كابرا و«صمت الحملان» (1991) لجوناثان ديم. يتواصل البحث عن حكايا «الثوّار» في حقب وعناوين متلاحقة، مثل «راغتايم» (1981) عن عازف بيانو أسود البشرة في محيط عنصريّ، و«الشعب ضدّ لاري فلينت» (1996 – الدب الذهبيّ في برليناله) عن منتج البورنو الشهير. سواءً كان الثائر حقيقياً أو متخيلاً، فإنّ ميلوش يصدّقه بالمطلق. يؤمن بطاقة فطرية تسري في عروقه. يمنحه كل ما لديه من شغف وسخرية ودفء. دائماً ما يتكلّل ذلك بولع ميلوش بالموسيقى والغناء، كحامل وعنصر أساس. «هير» (1979) ميوزكال ضدّ الحرب، يحتفي بالحب والحياة. «أماديوس» (1984) تحفة ثانيّة، عن موزار من وجهة نظر عدوّه اللدود سالييري. اقتباس عبقري عن مسرحيّة بيتر شافر.

أفلمة ساحرة للعلاقة بين عبقري فوضويّ مثير للمشاكل، و«مديوكر» منظّم، رتيب الحياة. الأوّل مبدع حقيقي، لا يمكن تدجينه بسهولة. الثاني تكرّسه سلطات قمع تدّعي رعاية الفنون، لتأطير العامّة ضمن توجّهات مرسومة سلفاً. الحصيلة 8 جوائز أوسكار، من بينها الثانية لفورمان كأفضل مخرج. على هذا الصعيد، يمتلك سجلّاً لافتاً من الأرقام القياسيّة. هو واحد من ثلاثة فقط، حققوا أوسكار أفضل فيلم مرّتين، مع كلّ من كوبولا وكلينت إيستوود. كذلك، أحد تسعة فازوا بأوسكار وبافتا وغولدن غلوب ونقابة المخرجين الأميركيّين عن شريط واحد. البيوغرافي «رجل على القمر» (1999 – الدب الفضيّ كأفضل مخرج في برليناله) عن الكوميدي غريب الأطوار آندي كوفمان، نموذج عمّا يغري فورمان من سير وأبطال حقيقيّين. مشاهير بطباع فريدة، وتحوّلات صادمة. غير محبوبين بالمعنى المعروف، وحتى منبوذون بشكل أو بآخر. هذا ذكاء الابتعاد عن أسماء «مقدّسة»، ما يقيّد حريّة تقديمها. يوفّر قراءة حقب وناس وتاريخ وحالات في أعمق وأجمل تجليّاتها، والتنقيب فيها حتى القاع المجهول. تماماً، كما يمرّ صانعها بصعود وهبوط في نجاح أعماله وإيراداتها. «فالمونت» (1989) و«أشباح غويا» (2006) لم يأتيا بمستوى عناوين أخرى. هنا، لا بدّ من أن نذكر عمل فورمان مع السيناريست الكبير جان كلود كاريير. مع ذلك، لم يغب الاحتفاء النقدي بعمله، حتى بعد اعتزاله. التتويج ورئاسة لجان تحكيم مهرجانات كبرى. تدريس تجربته أكاديمياً. في الشخصي، يتزوّج ثلاث مرّات، منجباً أربعة أولاد. ميلوش فورمان ابن السينما ملوّن الأعمال والجنسيات والتأثّر. كوزموبوليتي. صاحب الفضيلة الأوروبيّة، في أكثر سينمات العالم تجاريةً واستيعاباً، وأحياناً ابتلاعاً، للآخر.