باريس | عن إحدى وسبعين سنة، غيّب الموت السينمائي الجزائري فاروق بلوفة في منفاه الباريسي. صاحب «نهلة» رحل، كما عاش، في صمت. فقد مرّ أكثر من أسبوع على السكتة القلبية التي باغتته في منفاه الباريسي، قبل أن ينتشر الخبر في الأوساط السينمائية، ويصل إلى وسائل الإعلام. ورغم أن المخرج الجزائري المشاكس لم يقدّم جديداً منذ فيلم الروائي اليتيم «نهلة» (1979)، الا أنه ترك آثار أقدام راسخة في ذاكرة السينما العربية.

من معطف هذا المخرج والناقد والمناضل اليساري الكبير، تخرّجت كوكبة لامعة من الوجوه التي باتت اليوم علامات فارقة على الساحة الفنية العربية، مغرباً ومشرقاً. فقبل خمسة أعوام من إنجاز باكورته «عمر قتلاتو» (1976)، كان أول ظهور فني لمرزاق علواش، دور البطولة في فيلم قصير أخرجه فاروق بلوفة بعنوان Travestis et Cassures. أما «نهلة» (1979)، رائعة بلوفة الروائية، فإنه أشبه بكتالوغ يضم ألمع الأسماء وأكثرها تميزاً: الروائي رشيد بوجدرة، الذي كتب السيناريو، بالاشتراك مع فاروق بلوفة ورفيقة دربه الناقدة السينمائية الراحلة موني براح، زياد الرحباني الذي ألف موسيقى الفيلم، وروجيه عساف الذي شارك في التمثيل، إلى بطلي الفيلم الرئيسيين ياسمين خلاط، في دور «نهلة»، ويوسف سايح، الذي تقمّص دور «العربي»، المصور الجزائري الوافد الى بيروت في عزّ الحرب الأهلية…
كان «نهلة» أول عمل سينمائي عربي تناول موضوع الحرب الأهلية اللبنانية، من خلال تيمة رمزية تمثلت في احتباس صوت المغنية، بطلة الفيلم، فجأة، للتدليل على اختناق صوت الحرية بأدخنة الاقتتال الأهلي.
لكن بلوفة ظل يردّد، طوال العقود الثلاثة الماضية، أنه أنجز هذا الفيلم عن لبنان من دون أن يفارق ذهنه ــ ولو للحظة ــ التفكير في الواقع الجزائري. لكنّ أحداً لم يكن يتصور، في نهاية السبيعنيات، أن نبوءته ستتحقق، وأن بلد المليون شهيد سيواجه عشرية كاملة من الاقتتال الأهلي الدامي في التسعينيات.
استشرف بلوفة المخاطر التي تتهدّد بلاده، في ظل الرؤى الأحادية التي طغت عليها منذ سنوات الاستقلال الأولى. لكنه اختار أن يصوّر عمله في بيروت للإفلات من الرقابة الجزائرية التي كانت قد أحرقت فيلمه الوثائقي الأول «حركة تحرير» (1973)، ولم تكن لتجيز تصوير فيلم يتنبّأ بأن بلد المليون شهيد يتجه بخطى حثيثة نحو الاقتتال الأهلي. تضاف الى ذلك رغبة المخرج الجزائري في استلهام الدروس من التراجيديا اللبنانية، عبر رصد الأسباب التي زجّت ببلد كان يعدّ نموذجاً للتعدد، وواحة للحرية والتعايش، في أتون الاقتتال الأهلي.
قبل أن يقدّم فيلمه الروائي الشهير والوحيد، كان فاروق بلوفة قد تخرّج في المعهد التطبيقي للدراسات العليا في باريس بأطروحة عن «نظرية السينما»، تحت إشراف رولان بارت (1970)، وخاض أولى تجاربه في مجال السينما الروائية كمساعد مخرج إلى جانب يوسف شاهين في «عودة الابن الضال» (1976). لكنه أحدث في «نهلة» قطيعة جذرية مع الأشكال السردية السائدة في السينما العربية، بما فيها التجربة الشاهينية، التي خرج من معطفها. استعار من «الموجة الجديدة» الفرنسية روحها المتمردة، التي أسقطت السيناريو المكتوب لحساب أسلوب بصري مبتكر يسعى للإمساك باللحظة الراهنة في آنيتها وعفويته. الا أن بلوفة ظل يردد أن النموذج الذي استلهم رؤاه الإخراجية لم يكن مرتبطاً بـ«السينما البديلة» الفرنسية (رغم تأثيرات غودار الواضحة عليه)، بل بمواطنه السينمائي الكبير محمد زينات، وبالأخص رائعته «تحيا يا ديدو» (1971)، مستعيراً منه أسلوبه الشاعري المشبع بالألم والشجن لتصوير عنف الحرب، بعيداً عن البكائيات الميلودرامية التي عابها، أيام كان ناقداً سينمائياً في صحيفة «الجزائر الجمهورية»، على أعمال سينمائيي بلاده، بمن فيهم محمد لخضر حامينا، صاحب «وقائع سنوات الجمر» (السعفة الذهبية في «كان» ــ 1975).
لم يكتف بلوفة بالأسلوب الشاعري والتورية الرمزية، بل استخدم عدسة بطله «العربي» كوسيلة لرصد وقائع الحياة بيروت، وهي تغرق يوماً بعد يوماً في مستنقع الحرب الأهلية، منجزاً نوعاً من «الفيلم داخل الفيلم». وهو ما قارنه كثيرون بالأسلوب الذي ابتكره جان لوك غودار في رائعته «الاحتقار» (1963)، من خلال استعمال رواية ألبيرتو مورافيا الشهيرة، التي تحمل العنوان ذاته، كمطية لمساءلة رائعة روبيرتو روسلليني «رحلة في إيطاليا»..
رغم مرور أربعة عقود على إنجازه، ما زال «نهلة» علامة فارقة في السينما العربية، ويعدّ من الأفلام الأكثر نضجاً وعصرية في رؤيتها الإخراجية. المحزن أن الرقابة الجزائرية حرمت فاروق بلوفة من إنجاز أي فيلم آخر، محطّمة بذلك واحدة من التجارب السينمائية الأكثر تميّزاً وطليعية، ما جعل صوت فاروق بلورة يظل محتبساً، على غرار صوت بطلته، لغاية رحيله المفجع في التاسع من نيسان (أبريل) الحالي.