لسبب أجهله، كان معاليه واقفاً على مدخل القاعة، يتجاذب أطراف الحديث مع الست نورا الواقفة عند الجهة الأخرى من الباب الضيق. يا وقعة الـ…! ماذا سأفعل؟ حاولت التراجع قبل أن يراني أحد. استدرت وحاولت التسلل من الجهة الثانية، فإذا بي محاصر بصبايا سعيدات، يسبحن في ضوء ربيعي، وحولهنّ شاشات كثيرة: لا، لا، يبدو أنّه مكتب شركة تكنولوجيات جديدة وذكاء اصطناعي، ولو انني لا استطيع الجزم. عدت أدراجي خائباً، ولم يبق لي إلا أن أسلّم أمري لله. بدأت بمصافحة سيّدة المناسبة ولم تكد تسحبني إلى عالم من الأناقة الروحيّة، حتى عدت لاصطدم بصخرة الواقع. دفعة واحدة، وبشجاعة لم أعهدها في نفسي من قبل، إلتفتُّ إلى اليسار: «تحياتي (مع مد الألف والشدّ على الـ «تي») معالي الوزير». أهلاً، غمغم الدكتور غطاس خوري! واندفعت إلى القاعة، وأنا أسحب نفساً عميقاً. أفففف! لا تعرفون الامتحان الذي عشته للتو. لقد سلّمت على وزير الثقافة اللبنانيّة. بسيطة، هذه أمور تحدث، إنّها مخاطر المهنة! بعد قليل وخلال المؤتمر الصحافي حين سيكشف لنا معاليه سبقاً خطيراً، هو أنّه «تعشّى أمس مع (الرئيس الفرنسي السابق) ساركوزي» (فخور كده قوي يعني؟)، ضربت كفّاً بكف، وفكرت بالقفز من النافذة… لكن، أوّلاً نحن في الطابق الثاني، وثانياً، وللأمانة، فقد استبقاني برنامج الدورة ٣٣ من «مهرجانات بيت الدين الدوليّة» الذي نحن هنا لإطلاقه. وينكشف لك فور دخول القاعة، من خلال الملصقات التي تحيط بالمنصّة. ومن النظرة الأولى تفهم أنّه يستحق عناء الصمود.

على أحد الملصقات، يستوقفك وجه أليف لم يره الجمهور من زمن. يبدو أنّه يوم الصدمات… لكن الصدمة التالية ستكون «إيجابيّة»! لماذا علّقوا صورة زياد الرحباني؟ ماذا جاء زياد يفعل هنا؟ لا تقل لي… بلى، بلى! يبدو أن… وقع نظري على زميلي بشير صفير، فارتسمت بسمة بالكاد تُرى على شفتيه، من بعيد. عندها تيقنت من أنني لم أدخل حالة هذيانيّة بعد اقتحامي حاجز وزارة الثقافة. لقد أخرجَتْ الست نورا من قبعتها ضيفاً لم نعد نجرؤ على التأمّل بمرآه على المسرح: سيعود إلينا زياد هذا الصيف أخيراً. وإذا لم يكن من إنجاز لـ «بيت الدين» إلا هذه العودة، فسيكتب لها أن تكون دورة ناجحة. لكن طبعاً، هناك مواعيد أخرى كما سنرى، تحيي فينا رغبة السهر، والمتعة والدهشة والاحتفال. هناك كاباريه برليني، وأغنية فرنسيّة معولمة، وسيرك كندي، وفلامنكو إسباني، ورومنسيّة عربيّة. زميلي أكثر «حنبليّة»، جلس إلى جانبي وهو يحرّك رأسه شمالاً ويميناً علامة التأسف: وين الكلاسيك؟ وين الجاز؟ لا يتطلّب الأمر مهارة في علم الفراسة، لكي تدرك أن «بيت الدين» ـــ مثل سائر المهرجانات الكبرى على الأرجح ـــ يعمل باللحم الحي، ويحاول رغم الظروف الاقتصاديّة والنفسيّة والسياسيّة المتوتّرة، أن يحافظ على مستواه، بما تيسّر من أسماء متوافرة، معروفة وقادرة على إرضاء الناس.
شأنه في ذلك شأن الأعوام الماضية، كان «بيت الدين» السبّاق إلى كشف أوراقه أمس، وعلينا انتظار المهرجانات الأخرى لنحكم على المستوى العام لهذا الصيف. «وسط ضجيج المهرجانات الانتخابيّة» إذاً، كما ذكرت رئيسة المهرجان، تم الاعلان عن البرنامج. غاب عن المنصّة وزير السياحة ومديرته العامة، ولم نلتق كالعادة في الصالة الزجاجية لوزارة السياحة. المهم أن اللقاء مع الاعلام تخفف من عبء الخطابات والقفشات، علماً أن وزير ثقافتنا شال الفرق. من أقواله المأثورة: «لبنان يجب أن يستثمر في الثقافة». وكشف أن الوزارة دخّلت 248 مليون دولار. غير مهم كيف جاءت، وعلى ماذا انفقت، ومتى… المهم أنّها تشكّل «فرص عمل»، وأن مردودها «ليس فقط سياحياً وثقافياً بل اقتصاديّ أيضاً». تمام. لم يبق أمامنا سوى انتظار العبقري الذي سيأتي به البازار الطائفي في السابع من أيار، ليخلف الدكتور خوري في هذه الوزارة «السياديّة» و«التنمويّة».
نورا جنبلاط ذكّرت ككل عام بعبء الضرائب الذي يثقل كاهل المهرجان، وتحدّثت عن «الصمود» عاماً إضافيّاً. قبل أن تنفرج أساريرها وهي تنبئنا بعودة زياد الرحباني. عودة ستشكل ليس فقط مفاجأة الموسم، بل حدثاً وطنياً. نجحت رئيسة لجنة المهرجان في اقناعه بالخروج من عزلته وصمته، والعودة إلى الأضواء، ليفتتح «بيت الدين» في 12 و 13 تموز/ يوليو! عودة مزدوجة: إلى الجمهور المشتاق للرحباني الابن بعد قرابة ثلاثة أعوام من القطيعة، وإلى خشبة المهرجان التي تعرف زياد جيداً، حتى أن «بيانو بيت الدين اشتاق» إلى أنامله كما يبدو. هذه المرّة لن يرافق فيروز كما فعل لأربعة مواسم بين 2000 و 2004، بل سيكون سيد الاحتفال، في الباحة الخارجية الكبرى للقصر، مع مقطوعات وأغنيات قديمة وجديدة غير معروفة، برفقة أوركسترا خاصة تضم موسيقيين من لبنان، ومصر، وسوريا، وأرمينيا، وهولندا… إضافة إلى جوقة من الجنسين، مع مشاركات منفردة في الغناء لكل من منال سمعان (سوريا) وحازم شاهين (مصر)، وطبعاً سيجلس زياد إلى البيانو.
العروض الأخرى تشي بأن المهرجان يتشبّث بالحياة، ويفعل قدر المستطاع. فرقة أنطونيو غاديس الاسبانيّة ستستعيد عمله الأثير الذي شهره قبل عقود، وهو مستوحى من مسرحية لوركا «عرس الدم»، مطعماً بلوحات من مرحلته التالية «وصلات فلامنكو» (19 و 20 / 7). و«سيرك إيلوييز» الكندي (كيبيك) سيدهش الجمهور بفيض من اللون والحركة، من المهارة الجسديّة وقوة الخيال، وزخم الموسيقى المحتفلة بالأمل والحياة. عنوان العرض هو «سيركوبوليس»، وهو يجمع بين البهلوانيات والرقص والمسرح وفنون الاستعراض (9 و 10 و 11 / 8).
وستأتينا هذا الصيف المغنية الإيطالية - الفرنسيّة كارلا بروني (30 / 7) التي تتمتع بشعبية لدى جزء من الجمهور اللبناني. تمثّل عارضة الأزياء السابقة نوعاً هجيناً في الأغنية الفرنسية. وستغني هذه المرّة بالانكليزيّة مع «لمسة فرنسيّة» ما، إذ تستعيد في أسطوانتها الجديدة «فرانش تاتش»، مقطوعات عزيزة عليها من كلاسيكيات الأغنية الانكلوسكسونيّة، لـ «ديباش مود» و«الرولينغ ستونز» ولو ريد وغيرهم… إضافة إلى أغنيات قديمة معروفة كـ Moon River أو Love Hurts. لفتنا أن نورا جنبلاط قدمت الفنانة بشخصها فقط، ولم تأت على ذكر «زوجها» أبداً، وهو أمر غاية في الرقي طبعاً. لكن معاليه كان هنا بالمرصاد، لديه ما يفاجئنا به. خير انشالله؟ «كنت أتعشى بالأمس مع الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، وعبّر عن رغبته في المجيء إلى لبنان مع زوجته كارلا». هلا ورحّب! إذا كان عندنا شيء من الاعجاب بالمغنية، فقد حطّمته معاليك شرّ تحطيم. سنسمع «مون ريفر» فنتخيّل أمامنا الرئيس المتأمرك الذي خرب فرنسا حتى وصلت إلى يد ماكرون. الرجل الذي دمّر ليبيا يمشي اليوم وحوله تحوم هامة القذافي. عساه لا يكون في السجن حتى ذلك الوقت معاليك، ففرنسا على علاتها بلد يحاسب السياسيين ويدقق في ملفاتهم القذرة.
على البرنامج «موعد مع مارلين» ضربته المغنية الألمانيّة الباريسيّة الهوى أوته لامبر (27 / 7) التي تعود إلى بيت الدين لتحيي تقاليد الكاباريه البرليني. وتحتفل بمرور ثلاثين عاماً على استعادتها أغنيات أيقونة سينما الأربعينيات، النجمة الألمانية مارلين ديتريش. أوته التي تزور لبنان للمرة الثالثة، ممثلة ومغنية وفنانة استعراض من الطراز الأوّل، وصاحبة حساسية خاصة وصوت ساحر، ستغني بالالمانية والانكيزية والفرنسية، ونتوقّع منذ الآن لحظات نادرة من المتعة والحنين إلى «ذهب الوقت».
وطبعاً لا يمكن أن ننسى محطة «بيت الدين» الثابتة منذ سنوات طويلة، أي أمسيتي النجم العراقي كاظم الساهر (27 و 28 / 7). «قيصر الأغنية العربيّة» الذي يرى فيه كثيرون وكثيرات أيقونة الرومنسيّة، ستشكل حفلتاه بلا شك ذروة الزحف الجماهيري على المهرجان العريق.
أما المعرض التشكيلي/ الفوتوغرافي الذي درجت بيت الدين على تنظيمه، فيسيتضيف هذا العام بانوراما شاملة لأعمال رائد فن الكاريكاتور اللبناني، الراحل بيار صادق. المعرض الشامل الذي نظّمه «متحف سرسق»، حيث يستمر حتّى آخر نيسان (أبريل) الجاري، بالاشتراك مع «مؤسسة بيار صادق»، سيحل هذا الصيف في ضيافة المير أمين، تحت قناطر القصر التاريخي في قلب الشوف.