في كل مرة تنفجر عبوة الموت في أحد الأحياء اللبنانية، تخلّف وراءها «شهداء أحياء» يتحولون إلى أيقونات خالدة في أعين الناس، تمثّلهم ويرون أنفسهم وربما قدرهم في مرآتها. ملاك زهوي، وعلي خضرا ومحمد الشعار ثلاثة شبان فارقوا الحياة في انفجارَي حارة حريك و«ستاركو»، لكنهم سرعان ما اعتلوا عرش الضوء. اتخذهم الشعب اللبناني رموزاً له، فأسقط أحلامه وأحزانه عليهم.


كان انتشار صور ملاك زهوي على مواقع التواصل الاجتماعي مهيباً أول من أمس. صبية في مقتبل العمر استشهدت في انفجار حارة حريك، فأصبحت في نظر الجميع عروساً يتبادلون التعزية بها. الحال نفسها مع علي خضرا، الشاب الذي بقي مفقوداً حتى وجدت جثته متفحمة في «مستشفى الرسول الأعظم» ليل أول من أمس. راح الكلّ عبر مواقع التواصل يبحث عن علي، كأنّهم أصدقاؤه المقرّبون. أما محمد الشعار، الشاب الذي نشر صورته مع أصدقائه على فايسبوك قبل لحظات من وقوع انفجار «ستاركو»، فكان لعبارة «كلنا محمد الشعار» صدى ورواج لافتان على الشبكة العنكبوتية.
نسي رواد مواقع التواصل الاجتماعي التحليلات السياسية، و«خضة» الانفجار، وهرعوا لإنشاء صفحات تحمل أسماء الشهداء. سرعان ما أنشئت لملاك زهوي، كما لعلي، صفحتان تحظيان بآلاف المتتبعين الذين يعزون وينشرون صور الشهيدين مع تعليقات وجدانية عنهما. أما محمد الشعار، فكانت الصفحات والحملات والشعارات المتضامنة توحي لوهلة أنّه سيعود حياً بعد حين. يرى الناس في شهدائهم أيقونات، وأبطالاً لقصص لم تكتمل. هم بالنسبة إليهم «قمة الشواهد» على الحزن العميق الذي يعيشونه. اختيار تلك الأيقونات دون غيرها لا يكون عشوائياً، ولا مقصوداً، بل إن هؤلاء الشهداء يجسدون معاناة الناس ومخاوفهم. يفسر الاختصاصي في علم النفس عباس مكي الأيقونة «بأنها شيء من الموجودات يتخذ معنى صارخاً وقوياً تصل أحياناً إلى حد القداسة التي لا تُمس». تحمل هذه الأيقونات في طياتها معنيين: معنى الحاضر الذي يرتبط بالماضي، ومعنى الحاضر الذي سيصبح مستقبلاً، أي إن الانفجارات الحاصلة الآن ستصبح ماضياً، لكنّ شهداءها سيصبحون رموزاً في المستقبل. يرى مكي أنّ محمد وعلي وملاك تحولوا ــ بالنسبة إلى الناس ــ إلى «بقعة ضوء» في هذا السواد المقيم في الأرجاء. ويستذكر هنا الحسنات «التنفيسية» للإسقاطات، فـ«ما نكاد نموت بغصته، يخرج عبر الأيقونة التي تتحول إلى ضوء وأمل».
«رُبما سنكون اللاحقين»، و«حرام شباب بعدهم»... جمل تفسّر ربما تعلّق الناس بالشهداء بعد رحيلهم. المحزن أنّهم على دراية بأنّ مصادفة ما قد تأخذهم أيضاً أو تأخذ أحبابهم، إلى السماء. رحل علي ومحمد وملاك أجساداً، لكنهم بقوا رموزاً حزينة يستمدّ منها الناس بعض الأمل بالبقاء، أقلّه لإحياء الذكرى.