«يسألني كثيرون: لماذا تسعى إيرانيّة إلى صنع فيلم عن أم كلثوم؟ حسناً، لأنّ الشيء الوحيد الذي يوحّد الشرق الأوسط، هو حب أم كلثوم. لا يهم إن كان الشخص شيعياً أو سنيّاً، غنيّاً أو فقيراً، رجلاً أو امرأة. هي قدوة للمرأة في الشرق الأوسط». بهذه الكلمات قدّمت الإيرانيّة الأميركيّة شيرين نشأت (1957) جديدها «البحث عن أم كلثوم» (2017 ـ 90 د.)، الذي افتتح الدورة الثالثة من «مهرجان قابس للفيلم» (20 – 26 نيسان/ أبريل 2018 ــ مقال موسع عن المهرجان على موقعنا). الشريط مثير للفضول حقاً. لم يُعرَض كثيراً في العالم العربي. افتتح في البندقيّة الفائت ضمن «أيّام فينيسيا»، قبل أن يذهب إلى تورونتو ولندن ومهرجانات أخرى. صانعته نفسها نالت «الأسد الفضّي» كأفضل إخراج في الموسترا، عن باكورتها في الروائي الطويل «نساء بلا رجال» (2009). في كليهما، تعاون بالإخراج والسيناريو مع شجاع آذري، مع انضمام أحمد ديبة إلى نص «البحث عن أم كلثوم». أكثر من ذلك. نشأت فنانة بصرية وفوتوغرافيّة شهيرة دولياً. نالت جوائز مرموقة، منها بينالي فينيسيا 1999 وهيروشيما ومنتدى دافوس وغيرها. من الجليّ أنّها «نسوية» شرسة في الدفاع عن حقوق وتحرّر المرأة في بلدها والعالم. في عام 1975، هاجرت إلى أميركا. درست الفن في «جامعة كاليفورنيا»، بيركلي. تخرّجت عام 1983، لتستقرّ في نيويورك. كل ذلك، رفع التوقعات بخصوص شريطها الجديد، الذي يلامس أيقونةً عربيّة، لا لبس في الإجماع على حبّها وعظمة فنّها. النتيجة؟ مخيّبة للآمال، أكثر ممّا يمكن لمتشائم أن يتوقع.
إيقاع متفلّت مهتمّ بالجماليات على حساب المادّة


هذا ليس بيوغرافيا عن «كوكب الشرق»، التي كُتبَ وصُنعَ عنها الكثير، مثل مسلسل «أم كلثوم» (1999 – إخراج: إنعام محمد علي، تأليف: محفوظ عبد الرحمن، بطولة: صابرين)، الذي يبقى الأشهر والأكثر ذكراً. الشريط يستعين بالأيقونة، للتعبير عن أفكار وهواجس سينمائية إيرانيّة مرموقة تدعى «ميترا» (ندى رحمانيان). هي أنا أخرى alter ego لشيرين نشأت. تسعى لإنجاز فيلم عن أم كلثوم، باعتبارها رمزاً تحرّرياً للمرأة في الشرق الأوسط. تفتح كاستينغ بحثاً عن الممثّلة الأجدر للدور. تعثر على المدرّسة الشابّة «غادة شريف» (ياسمين رئيس)، صاحبة الصوت الساحر. ينطلق التصوير، ليبدأ التداخل (أو يُفترّض ذلك) بين الفنّان وأيقونته، وبين الأسطورة والوجه الحقيقي خلفها، في بنية «فيلم داخل الفيلم».
لن ندخل في المغالطات التاريخيّة الكثيرة، مثل الأحداث والأعوام والحقب (هل يُعقَل أن يصل الخطأ إلى سنة ميلاد أم كلثوم؟). سنسلّم بهامش كبير من التخييل، طالما أنّ «ثومة» مجرّد مدخل لصراع «ميترا» مع ذاتها، ومع محيط «ذكوريّ»، ومع مسؤوليتها تجاه ابنها الوحيد «نيما». المفارقة أنّ الشريط يدّعي ذلك، لكنّه يتصّرف العكس في مفاصل عدّة. بمعنى أنّه «انتهازي». يتسلق على مكانة أم كلثوم، كلّما سنحت الفرصة. يريد الكل، فجاءت النتيجة بلا شيء. هنا، يمكن التذكير بشريط المعلّم البريطاني كين لوتش «البحث عن إريك» (1999). درس في توظيف أيقونة (لاعب كرة القدم إريك كانتونا)، لمقاربة أزمة فرد وعائلة. هذا يحيل إلى تواضع الرؤية عموماً. نص سطحي، جاهل بموضوعه، ساذج في كثير من الأحيان. نفس «استشراقي» لا يختلف عن نظرة أيّ أجنبي، يصوّر شيئاً عن العرب. نشأة الصانعة في بلد قريب من المنطقة لم تضف شيئاً. تحميل أم كلثوم ما لا تحتمل في جوانب عدّة. بنية متهاوية، تفتقد إلى التماسك، والأخذ بيد المتفرّج وفق وجهة معلومة. إذا كان بناء جسر بين الثقافات أحد الأهداف، فهو لم يحقق ذلك بالتأكيد. مجدّداً، هذا لا علاقة له بالدقة التاريخيّة، بل بالنقاش ضمن سياق الفيلم نفسه.
فنيّاً، الشريط زاخر بالمآخذ. إيقاع متفلّت، مهتمّ بالجماليات على حساب المادّة. مناخ مغربي حيث تمّ التصوير، بسبب اضطراب الأوضاع في مصر آنذاك. لهجة حافلة بالأخطاء. حركة شفاه ياسمين رئيس ملحوظة في بعض المشاهد، رغم الجهد الهائل الذي بذلته. إمكانياتها التمثيليّة العالية موظّفة في غير محلها. حتى عيوب الماكياج ظاهرة في بعض اللقطات، في استهتار غريب. تقنياً، العمل متقن الصوت والصورة. المفارقة أنّ الفيلم يصف نفسه في بعض المشاهد. كلمات مثل «كارثة» و«عجرفة»، قد تختصر كلّ شيء.