تونس | على بعد أكثر من 400 كيلومتر من العاصمة تونس، تقبع «قابس» على الساحل. مدينة جنوبيّة هادئة، تحمل لقباً محبّباً لأهلها وللزوّار: «دمشق الصغرى». خمس ساعات تستهلكها سيّارة تقلّنا من مطار قرطاج، لنلتحق بركب حضور الدورة الثالثة من «مهرجان قابس للسينما» (20 – 26 نيسان/ أبريل 2018)، الذي تنظّمه جمعية «جسور». هي فرصة للتعرّف على وجه آخر لبلد، يشهد مشروعاً ثقافياً ضخماً في مختلف الفنون والمجالات. يمكن القول إنّ السينما تأتي على رأس القائمة، مع تأسيس مهرجانات أخرى إلى جانب «أيام قرطاج السينمائيّة»، الذي صار سنوياً. كذلك، افتتاح «مدينة الثقافة» هذا العام. صرح ضخم، يستحق فترة انتظاره الطويلة. يضمّ مقرّات جديدة لكلّ من «المركز الوطني للسينما والصورة» CNCI، و«أيّام قرطاج السينمائيّة»، إضافةً إلى انطلاق السينماتك التونسي، الذي لم تهدأ نشاطاته وتظاهراته الاستعاديّة. أيضاً، تحتضن المدينة مجمّعاً سينمائياً مكوّناً من ثلاث صالات (100 – 150 – 350 مقعداً). أكثر من ذلك. بلغت حصيلة السينما التونسيّة 37 فيلماً طويلًا و41 فيلماً قصيراً عام 2017. معظمها يلقى دعماً من الـ CNCI، مع تتويج صار معتاداً ومتوقعاً في المهرجانات الكبرى.

في الجنوب، تبدو الأمور مختلفةً بعض الشيء. نقضي بعض الوقت في «مطماطة القديمة»، التي تبعد 40 كيلومتراً عن قابس. طبيعة جبليّة نصف صحراوية. عمارة بربريّة محفورة في الجبال. نزور «نزل سيدي إدريس»، الذي صوّر فيه جورج لوكاس قسماً من أحداث جزأين من «حرب النجوم»، هما: Star Wars Episode IV: A New Hope (1977)، و Star Wars: Episode II – Attack of the Clones (2002). نستغرب حديث بعض السكّان السلبي عن الحبيب بورقيبة. السبب قيامه باستملاك أراضيهم بمبلغ زهيد، من أجل إنشاء «مطماطة الجديدة»، على أرض منبسطة أكثر صلاحيةً للزراعة. أيضاً، لتاريخه مع اليوسفيّين، الذين ينحدرون من الجنوب.

تنمية المنطقة
بيد أنّ المهم الآن هو المهرجان نفسه. المطّلع على تاريخه، يدرك تغيّر التسمية القديمة «مهرجان قابس للفيلم العربي»، نتيجة انفتاح هذه الدورة على «الضفة الشماليّة» للبحر المتوسط. «همزة وصل مع الآخر، وجسر تواصل ثقافي بين الشعوب، لا مكان فيه للإقصاء والحدود والتأشيرة»، بحسب مدير المهرجان محمود الجمني. الرجل أكّد عرض الأفلام الأجنبيّة خارج المسابقة، فيما تبقى «المسابقة الرسمية حكراً على مبدعي الضفة الجنوبية (الأفلام العربيّة)، نظراً إلى التباين الرهيب في فرص الإنتاج بين مخرجي الضفتين». اللافت في المهرجان نوعيّة برمجته. أفلام منتقاة، عالية المستوى عموماً. اهتمام بالدعم العلمي، من خلال ورش عمل، ودروس احترافيّة. مساهمة ملموسة في تنمية المنطقة نفسها، عبر افتتاح صالة عرض جديدة، تحمل اسم «لاغورا قابس». رئيسة شرف المهرجان هند صبري فخورة بالمساهمة في تنفيذ وعد أطلقته في الدورة الثانية، بالضغط لإنجاز قاعة السينما الأولى من نوعها في المدينة، متمنيّة أن تكون «منارةً جديدةً، مقرّاً دائماً للجمال والفكر والحوار والفن، ليس فقط لمدة المهرجان... وأن تنتشر العدوى إلى كل مدن الجنوب التونسي الذي أنا منه».
ولكن مهلاً، لهذا الفضاء الجديد حكاية تستحقّ أن تُروى. البناء كان مقرّاً للحزب الحاكم أيام بن علي، وقبله الحبيب بورقيبة. تعرّض للحرق إثر قيام الثورة. في الأصل، الأرض ملك لعائلة «كيلاني»، قبل أن يتم استملاكها للصالح العام زمن بورقيبة. منذ عام، يبتاع كلّ من لاسعد ورفيق كيلاني الأرض، لتعود إلى العائلة مجدّداً (يعملون في تصنيع وتوزيع الأدوية ومواد التجميل). يتم تحويل مقّر الحزب المحروق إلى فضاء ثقافي، يحتضن عروض الأفلام ومعارض الفنّ التشكيلي. الجميل في هذه التجربة أنّ هناك نية لتعميمها على كافّة مدن الجنوب التونسي. بذلك، يثبت «قابس للسينما» أنّه حدث جديّ طموح. حامل تنمية ملموس. أكثر من مجرّد مهرجان فرعيّ، يقتصر نشاطه على تكرار عرض أفلام المهرجانات الكبرى. لا يُقام بغرض الاحتفال الشكلي، والتقاط الصور. بعد دورتي 2015 و2016، وتوقف 2017، تأتي دورة «الانفتاح» و«الوعود المنجزة»، والتركيز على الشباب والسينما العربيّة الجديدة.



البرنامج

فيلم الافتتاح أوّل دليل على ذلك. «البحث عن أم كلثوم» (2017) للإيرانيّة شيرين نشأت، عن أثر «كوكب الشرق»، وقوّتها كامرأة تخطّت كثيراً من حواجز التقاليد والدين والسياسة. شريط مثير للفضول والاهتمام. انطلق من تورونتو وفينيسيا، فيما لم يُعرَض كثيراً في العالم العربي. جلبه المهرجان، بحضور بطلته ياسمين رئيس. في السياق، تمّ الإعلان عن مجيء إياد نصّار في اليومين الأخيرين من المهرجان.



33 عنواناً تتنافس على مختلف الجوائز، منها 9 ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة. «آخر أيام المدينة» (2016) للمصري تامر السعيد. وصفناه سابقاً بأنّه تاج السينما المصريّة الجديدة. شريط حميمي، مخاتل، بالغ الحساسية، مجبول بالحب والصداقة وعنهما، معجون بالحزن المرافق لرصد الانهيارات المريعة والتآكل الجمعي، مواكب لتحوّل مصيري في سايكولوجيا شعب ومسار بلد. حتمية الثورة آتية من احتقان النفوس، ونفاد الصبر. فرادة «آخر أيّام المدينة» في قبضه على هذه اللحظة النادرة، بأكثر حالاتها صدقاً وعفويةً، مفضّلاً الغوص في السوسيولوجي المصري، وبوصلة القاع. لذا، يبقى صالحاً لأيّ زمن «استقرار» ظاهري بين الثورات والاحتجاجات الشعبيّة. يظلّ طازجاً، قابلاً للاستعادة في أيّ وقت.



طارق صالح يشارك بـ «اللي حصل في الهيلتون» (2017). مقتل شابّة في أحد الفنادق الفخمة عشيّة ثورة يناير، يفتح النّار على متورّطين من العيار الثقيل. وراء الأكمة ما وراءها. الجريمة أكثر تعقيداً وتشعّباً ممّا تبدو عليه. نترقب أيضاً «ربيع» (2017) لفاتشي بولغورجيان. باكورة السينمائي اللبناني في الروائي الطويل، لا يغادر أسئلة الهويّة والانتماء، وهواجس ما بعد الحرب الأهليّة. يعمل مبضعه من وجهة نظر مغايرة: كيف تبدو الأمور من عيني ضرير فاقد لهوّيته؟ شريط بديع عن اغتراب الفرد داخل وطنه، عن الهويّة المشرذمة، عن التشوّه الذي يُخلَق مع المرء. مزيج بين «فيلم الطريق» و«فيلم الشخصية الواحدة»، التي تقوده بهدوء.



ثمّة عنوان لبناني آخر. في «من السماء» (2016)، يفتتح وسام شرف باكورته في الروائي الطويل، بتقويم ميراث الحرب الأهليّة، وإن بنحو غير مباشر، من خلال تيمة اللا تناغم أو الاغتراب. يمزج الجد بالهزل حواراً ومواقف. يحاول تسخير تناقضات بيروت وقاطنيها وضغوطاتها ومخاطرها وغرائبها، للمشي على خيط رفيع من السخرية والتهكّم. كلّه لإيصال مناخ من العبث واللاجدوى من أيّ شيء، وكلّ شيء. غير أنّ المعالجة لا تواكب الطموح. بناء يبقى على السطح والمستويات الأولى، من ناحية الشخوص وتحليل المحيط، وربط الماضي بالحاضر. إنّه أفضل من أعمال وسام شرف السابقة، لكنّه لا ينجو من ضعف العمارة، والانجرار إلى تركيب الصور والمشاهد كـ «كولاج» متفلّت، لا كأسلوبيّة متماسكة. شرف حاضر أيضاً في مسابقة الأفلام القصيرة بروائي متوسط الطول هو «فيما بعد» (2016)، عن أرواح ضائعة، وجغرافيا خالية معادية لأبنائها.



من البلد المنظّم، لدينا فيلمان عن الهجرة غير الشرعيّة، أو «الحرقة» بالتونسي. «شرش» (2017) لوليد مطّار، و«بنزين» (2017) لسارة عبيدي. كلاهما العمل الأوّل لصانعه. الأوّل يقترح مقاربةً بالغة الذكاء لواقع الطبقة العاملة في المجتمعين: المهاجِر والمهاجَر إليه. انسداد الأفق واقع مرّ لشباب تونس، إلا أنّ أوروبا ليست أفضل حالاً في كثير من الأحيان. الثاني يبقى مع الأهل في القرى والبلدات النائية. سالم وحليمة يريدان معرفة مصير ابنهما أحمد، بعد خوضه البحر المتوسط نحو إيطاليا. المغربي النشيط حكيم بلعباس يحضر من خلال «عرق الشتا» (2016). أفلمة شعرية شفافة، عن عراك حول أرض، وزوجة تعاني بصمت، وراعي غنم يحاور الحوريات، وجدّ لا يتوقف عن لفظ اسم زوجته. من الجزائر، ينافس فيلمان على حجز مكان ليلة الجوائز. «إلى آخر الزمان» (2017) لياسمين شويخ، يحتفي بالحب رغم وقوع أحداثه في مقبرة «سيدي بولقبور». الاستعداد للموت قد يكون سبيلاً لغرام غير متوقع. «قلعة المجانين» (2017) لناريمان ماري، يتتبّع مجموعة من الشبان الرحّل والمغامرين، الذين يتخيلون مجتمعاً طوباوياً ردّاً على الهيمنة والاستعمار.



مسابقة الأفلام الوثائقيّة الطويلة تضمّ 8 أفلام، من بينها جديد السوري زياد كلثوم «طعم الإسمنت» (2017). مقال وثائقي عن العمّال السوريّين في لبنان، ما بعد الحرب السوريّة. يزيد عليه كلثوم بعضاً من الخيال الروائي. يلعب بمرارة على تباينات عديدة، بين عالم البنّائين القابعين في قبو برج سكنيّ وبيروت الحياة خارجه، بين إسمنت الدمار ومواد التعمير، بين جيلي عمّال ما بعد الحرب اللبنانيّة والهارب من نظيرتها السوريّة. تسجيلي محكم ومؤلم، عن العمارة والكتل والارتفاع، وأسئلة الذات والمحيط والذاكرة. تأمّلي محترم للصمت والسكون، كما الصوت والضجيج. الفلسطيني رائد أنضوني منتظَر بـ «اصطياد أشباح» (2017). إعادة بناء سجن المسكوبيّة الإسرائيلي بأيدي ضحاياه، خير وسيلة للخلاص وردّ الصاع في آن.



8 عناوين في مسابقة مدارس السينما لأفلام الطلبة. مثلها في مسابقة الأفلام القصيرة. منها، «رجل يغرق» (2017) للدانماركي من أصل فلسطينيّ مهدي فليفل. المرشّح إلى البافتا، والفائز بجائزة أفضل فيلم قصير في «دبي السينمائي» الفائت. «فاتح» غارق في الهموم والمشاكل وضغوط الحياة اليومية. بينما يتجوّل في شوارع أثينا، يشعر أنّ حياته تهرب منه. رحلة طويلة، تكشف له خبايا عميقة عن واقعه الحالي.



لجنة تحكيم الأفلام الطويلة بنوعيها، تضمّ كلّاً من: السينمائي السوريّ محمد ملص، والممثلة الإسبانية استر ريجينا، والمخرج العراقي عطية الدراجي، والمخرج السنغالي موسى توريه، والممثلة التونسية سوسن معالج. أمّا لجنة تحكيم الأفلام القصيرة ومسابقة الطلبة، تتكوّن من ثلاثة مخرجين تونسيّين: مفيدة فضلية، وعبد الحميد بوشناق، وحبيب مستيري.
في الأقسام الموازية، يضمّ برنامج «سينما العالم» 7 أفلام، منها «قتل غزال مقدّس» (2017) لليوناني يورغوس لانثيموس، و«المربّع» (2017) لروبن أوستلوند. شريط سعفة مهرجان كان الفائت، مانفيستو صارخ في سخريته من حياة مجتمعات ما بعد الحداثة. تهكّم لاذع من لايف ستايل، يفترض أنّه تجاوز مشاكل البشر الأساسية، نحو مزيد من الإنسانية والتحضّر. كذلك، يُقام عرض خاص للوثائقي التونسي «الجدران الضائعة» للسيّد. إضافةً إلى الصالة الجديدة «لاغورا قابس»، تُنظّم العروض في «المركب الثقافي بقابس» والمركز الثقافي الجامعي.




ورش ودروس وعمر أميرلاي
في الأنشطة العمليّة، تُقام ورشة سيناريو لعشرة متقدّمين. اثنان منهما سينال جائزة «كاميرا شابة» من TV5MONDE. كذلك، يزور خالد أبو النجا عدداً من المعاهد لإعطاء دروس في الإخراج والتمثيل، مع عرض ثلاثة من أفلامه: «فيلا 69» (2013) لآيتن أمين، و«عيون الحرامية» (2014) لنجوى نجار، و«قدرات غير عادية» (2015) لداود عبد السيّد. في التكريمات، يُسجّل حضور خاص للتسجيلي السوري الراحل عمر أميرلاي، إذ تُستعاد أربعة أفلام له: «الحياة اليومية في قرية سورية» (1974)، و«في يوم من أيام العنف العادي، مات صديقي ميشال سورا...» (1996)، و«وهنالك أشياء كثيرة كان يُمكن أن يتحدّث عنها المرء» (1997)، و«طوفان في بلاد البعث» (2003). أيضاً، يُكرّم التونسيان عمار خليفي والطيب الوحيشي، بالإضافة إلى مدير التصوير والمنتج التونسي علي بن عبد الله. أخيراً، يدير كلّ من محمود الجمني، وناصر الصردي، وكمال بن وناس ندوة عن تاريخ تيارات السينما العربيّة، بعنوان: «قراءات معاصرة في تاريخ السينما العربية».