القاهرة | في معرضها الذي تحتضنه «غاليري تاون هاوس» في القاهرة تحت عنوان «قص ولصق»، تثير هدى لطفي تساؤلات في ذهن متلقي أعمالها الجديدة بشأن علاقة الفنان المعاصر بمفهوم الالتزام. لسنوات طويلة، ظلّ الفنان المعاصر متهماً بتجاوز واقعه السياسي والاجتماعي، وتقديم أعمال مغرقة في ذاتيتها على نحو يبعدها عن فضاء التلقي العام. لكن يصعب النظر إلى أعمال لطفي بمعزل عن اللحظة السياسية الراهنة في مصر وعن سياق أعمالها في العقد الأخير.


عرفت لطفي باهتمامها بالتاريخ الثقافي بحكم خلفيتها الأكاديمية وعملها كمؤرخة، إضافة إلى انفتاحها على الفنون البصرية وخلق صور هجينة تتجاور فيها «الأيقونات» الفرعونية والقبطية مع الهندية والاسلامية وفق ما كتبت سامية محرز في دراسة أنجزتها عن علاقة أعمال هذه الفنانة بالهجين الثقافي. تعمل لطفي بولع على تقنية «البريكولاج». هنا، لا يذهب الفرد بعيداً، بل يتأقلم مع ما يتوافر له من وسائل كي «يبني» حقائقه وعلائقه وأخلاقه وهويته. إنّه لا يركن إلى معيار ولا يعوّل على سند، فلا تخطيطات ولا مفاضلات. في «قص ولصق»، تستثمر لطفي خبرتها كلّها لتقديم أرشيف سيكو ـ جغرافي للعواطف والإيماءات والتعبيرات البلاغية والصور التي عرفت طريقها إلى الفضاء العام أثناء الفترة الانتقالية في مصر سواء كانت صور تظاهرات أو مراثي الشهداء الذين سقطوا خلال تلك المرحلة. ويشير البيان المرافق للمعرض إلى كل الأعمال التي أُنتجت خلال العامين الماضيين، كأعمال الكولاج والقطع والأشياء المتواجدة والمصنّعة والتماثيل. تمتزج تلك المفردات معاً لكتابة قصة تعبّر عن الماضي القريب ومن ثم تعيد بناء تلك الصور في تركيب معماري فريد يشتغل على ما تثيره في الذاكرة من انفعالات وتركز في التقنية على امكانية تحويل كل رموز تلك المرحلة الى أيقونات من ناحية، من ناحية أخرى لا تخفي لطفي المواجهة مع أشباح الحكم العسكري وتذكر بجرائم العسكر بشيء من البلاغة البصرية القائمة على الاختزال، وفي الوقت عينه تستدعي العلامات الراسخة في الذاكرة. هكذا، تعيد إنتاج دلالات جديدة في عملها «دم الشهيد» حيث تستعيد المرويات التاريخية التي تخصّ قميص عثمان الذي يحضر هنا كنص بصري يستدعى من لحظته التاريخية لينتج دلالة تلائم اللحظات الراهنة. كذلك، تستعيد ولعها بالايقونات النسوية التي تبرز هنا كأدوات للمقاومة. وعبر آلية الكولاج، تقيم نوعاً من التجاور لتأكيد مشاركة النساء في كل مراحل الانتقال، وقدرتهن على دفع أفدح الأثمان. مسعى يضاف إلى السمات التي تميّز عملها كمنشغلة بقضايا الهوية والنوع. يشير عنوان معرض «قص ولصق» إلى العملية المادية لصناعة الكولاج، وإلى العملية الأرشيفية لتجميع المعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي. يعكس العنوان أيضاً تلك العملية المحمومة لصناعة التاريخ التي تبدو كأنها تكرّر الأحداث نفسها مرة تلو الأخرى. تتميز المفردات في «قص ولصق» بعنصر التكرار، إما لأنها أنتجت متسلسلة، أو لأنّها تعتمد في تكوينها على تكرار الجملة أو النص أو الصورة نفسها. وتتشرب تلك الأعمال بظاهرة وهم «المرئي من قبل» (Déjà vu). تجربة وسيطة ومخادعة وغير واضحة المعالم، تبدو مألوفة وعادية، لكنها ذات أهمية محددة في سياقها السياسي، لأنّها ليست فانتازيا بهذا المعنى، ولا معنية بالغرابة بقدر اعتنائها بتقديم سردية بديلة أو مقاومة للروايات الرسمية عن حدث اتسم بالضخامة والسيولة معاً.
تقترح أعمال لطفي أنّ «هذا الإحساس بالسيطرة ما هو إلا سراب» بحسب التأويل الذي تقترحه صالة العرض وهو معنى يتأكد بفكرة «الترصيع البصري» التي تميزت بها لطفي منذ أن بدأت العمل قبل 20 عاماً. اشتعلت «حمى الأرشيف» لجاك دريدا في هذه المنطقة منذ بداية الربيع الثوري عام ٢٠١١. انفجرت حالة من الهوس للسيطرة على كتابة السرد التاريخي الذي ما زال في طور التشكّل، وانتشرت حالات من التدمير والتلاعب بالمواد الأرشيفية في محاولة للتأثير على هذا السرد حيث تلتحم لحظات من فقدان الذاكرة الممنهجة مع ذكريات شديدة التحديد، شديدة الحضور.
واذا كان دريدا يرى أنّ الأرشفة تنتج الحدث بقدر ما تسجّل، وتلك هي أيضاً خبرتنا السياسية المكتسبة مما تدعى وسائل الإعلام، فإنّ هدى لطفي تسعى إلى مقاومة عمليات التلاعب بالذاكرة، وبالتالي فمعرضها هو أرشيف لما هو غائب أو ما هو على وشك الغياب.




«قص ولصق»: حتى 8 ك2 (يناير) ـــ «غاليري تاون هاوس» (القاهرة) ــ للاستعلام: +20225768086 ــ
www.thetownhousegallery.com