لمع جميل شفيق (1938) كرسام صحافي تميّز باشتغاله برسوم الحبر الصيني التي كانت تجاور النصوص الصحافية في «روزا اليوسف» كممثل لجيل يكمل ما بدأه الرائد حسن فؤاد. حتى إنّ الفنان الراحل حسين بيكار أطلق عليه تسمية «سفرجي» (كلمة في الصحافة المصرية) في إشارة إلى دوره في تحسين المادة الصحافية وشكل تقديمها. أخذ شفيق حصته كاملة من الانخراط في الحياة الثقافية المصرية في أوج سنوات ازدهارها. سكن في شقة في منطقة العجوزة ذات الحضور في مثقفي جيل الستينيات وضمّت أمثال الرسام والمترجم الدسوقي فهمي (أول من ترجم كافكا)، وسيد حجاب، وعبد الرحمن الأبنودي، وعز الدين نجيب، وسيد خميس، ويحيى الطاهر عبدالله، ونبيل تاج، ومحيي اللباد، الى جانب الخبرات التي تلقاها في مؤسستي «التعاون» و«روزاليوسف» التي سمّاها الكاتب والصحافي كامل زهيري «مدرسة الهواء الطلق»، في إشارة الى طابعها المتحرر. ومع انتقاله إلى «الأهرام ويكلي»، أعطى الرسام المخضرم للصحيفة الكثير من الرسوم والاسكتشات التي تحولت علامات بصرية لافتة ركز فيها على «موتيفات» معينة مستلهمة من الثقافة الشعبية مثل القط/ الحصان. وكان أبرزها مجموعته عن المرأة والحصان، وعازفي الموسيقى.


في تلك الأعمال، كان الفنان وثيق الصلة بنجيب محفوظ. وضع قدمه بخجل في منطقة حرثها رواد بحجم عبد الهادي الجزار، وحامد ندا، لكن في قلب تلك المغامرة حافظ على سمات أسلوبية لم ترتبط فقط بالرسم بالحبر الصيني، بل بتقديم خطوط حاسمة ميزت تلك الأعمال التي ظلّ الاختزال قانونها الأبرز.
كان شفيق يقدم أحياناً بعض البورتريهات التي كانت تلفت النظر بفضل اعتماد تقنية التنقيط (أشهرها بورتريه لسيد درويش)، غير أنّه في السنوات الخمس الأخيرة أظهر موهبة جديدة وقدم منحوتات خشبية في معرض أقيم في قاعة «إكسترا» في القاهرة سمّاه «طرح البحر». وقد عاوده الحنين لتكرار التجربة وتقديم معرض بالاسم نفسه مع «غاليري مصر»، حيث قدم أخيراً العديد من المنحوتات التي جاءت نتاج حواره مع خامات الخشب الذي يستخرجه من الماء حيث يقيم في الساحل الشمالي (غرب الإسكندرية).
وازن شفيق في معرضه الجديد بين عطاء الخام وقدرة الفنان على ترويضه، كما وازن بين بيئته المصرية الآتي منها ورغبة الانفتاح على مخيلة خصبة حبلى بمرجعيات كثيرة في فن النحت العالمي. وبالتالي، حضرت قطع مستلهمة بالكامل من الثقافة الشعبية تأكيداً لرغبته في التواصل مع تاريخه في فن التصوير ولتثبيت مفردات عالمه كتلك القطع التي تصوّر حيوانات مصرية خالصة أو طيوراً ذات حضور يربطها بمصدر فرعوني (طائر أبو منجل مثلاً). وهناك العديد من القطع النحتية البالغة الروعة التي يحاكي فيها ثنائيات ايزيس واوزريس، الى جانب قطع أخرى تحاكي الآلهة. في تلك المحاكاة، كان ثمة نزوع الى نوع من «الباروديا» المطرزة بموتيفات شعبية كالأسماك والقطط. موتيفات حاضرة في كل تجارب الفنان، وهناك مساحة تناص أو تفاعل نصي بين منحوتات بعينها وأعمال لجياكومتي وهنري مور، بل مع منحوتات الكهوف، وهي خبرة مصدرها سنوات السفر والتجوال في أميركا اللاتينية خلال عمل الفنان مستشاراً لإحدى هيئات الأونيسكو.
لكن منحوتاته ظلّت تتجلى بسمة مصرية خالصة تقوم على الرهافة والخفة والأناقة، بطريقة تذكّر بأصالة ما قدمه آدم حنين والراحل عبد الهادي الوشاحي. كذلك، ضم المعرض منحوتات لوجوه اشتغلها وهو يحمل فوق ظهره إرث وجوه الفيوم العريق وعين مفتوحة على الأقنعة الأفريقية، لكنه ينحت بشيء من الاقتصاد، مفضّلاً تعرية الخام وصولاً إلى عصبه العاري.