أقامت جمعيَّة «معاً نعيد البناء»، بالتعاون مع «الهيئة الثقافيَّة العالميَّة في الجامعة الثقافيَّة في العالم»، طاولة مستديرة حول «قانون الإنتخابات بين الواقع والمرتجى، في لبنان والانتشار» على مسرح بلديَّة الجديدة - البوشريّة - السدّ، في 19 نيسان 2018 بإدارة المحامي رشيد الجلخ. أقيمت الطاولة بحضور رئيس جمعيَّة «معاً نعيد البناء» ومشاركة كمال فغالي، الخبير الإحصائي في الأنظمة الإنتخابيّة على الصعيد المحلّي والعالميّ، حسّان صقر عميد الخارجيَّة في «الحزب السوريّ القوميّ الإجتماعيّ»، والمهندس حسن مقداد مسؤول العلاقات العامَّة في «حزب الله» في جبل لبنان والشمال، وشارل سابا مستشار رئيس «حزب الكتائب اللُّبنانيَّة» في شؤون الإدارة العامَّة، المهندس جان خشَّان رئيس جهاز الإنتخابات في «حزب القوَّات اللُّبنانيَّة»، وسايد يونس مسؤول المكَنة الإنتخابيَّة في دائرة الشمال الثالثة في «التيَّار الوطني الحرّ»، ونائب رئيس تحرير جريدة «الأخبار» بيار أبي صعب ورئيسة الهيئة الثقافيَّة في الجامعة اللُّبنانيَّة الثقافيَّة في العالم كريستيان صليبا، في حضور رئيس بلديَّة الجديدة - البوشريّة - السدّ السيِّد أنطوان جبارة مضيف الندوة.

بدأت الندوة بالتشديد على أهميَّة الثقافة بمختلف مكوِّناتها التي تعطي مساحة للتعبير لكلّ فكر وانتماء ضمن خُلقيّات النقد والمعرفة والعلم، وهي الوسيلة الأسمى لزرع ثقافة السلام والتلاقي. وإنطلاقاً من هذه المساحة حيث الإيمان بالوطن والديمقراطيَّة والمواطَنة يجمعنا، تمَّت الإضاءة على أهداف هذه الندوة حول قانون الإنتخاب اللُّبنانيّ بمشاركة الأحزاب والفعاليَّات المذكورة.
جرى الحوار حول مجموعتَين من الأسئلة أجاب كلٌّ من المشاركين عليها بحسب موقف حزبه أو المجتمع المدنيّ الذي يمثِّله. الأولى، حول الموقف والتطلّعات من قانون الإنتخاب، والثانيَّة حول مفاعيل التمثيل والمواطنة المرجوَّة منه.
عرض كمال فغالي القانون الحاليّ مع تعديلات القانون القديم من حيث المقاعد وتقسيم الأقضية. صنَّف علميّاً، هذا القانون «قانون النسبيَّة باللوائح المفتوحة مع صوت تفضيلي وعتبة تمثيل بحسب الحاصل الإنتخابي». أوضح بأنَّه ليس هناك قانون مثالي للإنتخابات في العالَم من حيث مبدأ الرياضيَّات، بل هناك قانون يخدم أهدافاً محدَّدة في فترة محدَّدة، في مكان وتاريخ محدَّد. لقد انتقلنا من النظام الأكثري إلى النسبيّ الذي طالبت به قوى متعدِّدة منذ 15 سنة لتصحيح التمثيل. وأكَّد فغالي أنَّه «لا يوجد تصنيف ثابت للأنظمة الإنتخابيَّة النسبيَّة في العالَم. فهناك 179 دولة تعتمد النسبيَّة، ولكلّ منها نسبيَّة خاصّة، ذلك أن المشروع هو أقوى من الناخب والصيغة الإنتخابية تعكس ميزان القوى وتحقِّق الأهداف». وأضاف: «ليست هناك معايير واضحة للتقسيمات الإداريَّة والدوائر من حيث الكبرى والصغرى ومن حيث احتساب الحاصل الإنتخابيّ للوائح وكسورها. الدوائر مثلاً، غير متوازنة وذات وجه طائفي لحفظ التمثيل الطائفيّ المتعادل بحسب الدستور وخاصّة المسيحي منه، والمفارقات كثيرة. وقد أعطى الأمثلة على ذلك ولكن الجديد في هذا القانون أنَّ قدرة المسيحيِّين على إيصال نوّاب مسيحيين بأصواتهم تحسَّنت: فبعدما كانوا 22 نائباً، وصلوا اليوم إلى 54 من أصل 64 نائباً». وأشار أنَّ هناك أخطاء في القانون، منها الصوت التفضيلي المحصور بالقضاء الذي هو ضد روح النسبيَّة، «الترشيح الإفرادي في هذا القانون مهزلة، يجب أن تقدّم الأحزاب المرشحين في لوائح مؤتلفة ومتحالفة عوضاً عن الترشيح الإفرادي وتحالفات لا علاقة لها بالسيّاسة وليست مفروضة في القانون».
إستهلّ الجلخ النقاش باستشهاده بالإتحاديَّة بين الطوائف التي وصفها ميشال شيحا وغسان تويني في تكوين المجلس النيابي، وقال إنَّ بعضهم قد وصف قانون الإنتخاب الجديد بأنَّه يُدخل لبنان ميدان الحداثة في قوانين النسبيَّة الإنتخابية، فيما ذكر البعض الآخَر أنَّه قانون قابيل وهابيل، يفرض على كلّ طرف البحث عن مصلحته أوَّلاً حتّى ولو اضّطر إلى التضحية بحلفائه.
حسّان صقر، يعتبر حزبه عابراً للطوائف ويطالب بالنسبيَّة منذ الستّينات. هذه النسبيَّة في القانون الحالي هجينة. ولكن، في الوقت نفسه، هي نقلة من النظام الأكثري الذي يشجِّع على الطائفيَّة والزبائنيَّة والمال، إلى النظام النسبيّ. أهداف كلّ قانون إنتخاب هو: تمثيل الناس والنقلة النوعيَّة للمجتمع إلى الأمام. والحلّ الأنسب يبقى في قانون النسبيَّة الكاملة على أساس الدائرة الواحدة خارج النظام الطائفيّ مع تعزيز أحزاب المواطنة وتعزيز تنوّعها بحيث لا يعود الحزب يمثّل الطائفة.
أمَّا سايد يونس، فقد «ركَّز على القانون نتيجة محاولات عدَّة منذ 2005 لتصحيح التمثيل وخاصَّة المسيحي منه الذي بقي مغيّباً وقتاً طويلاً. إنَّ المادة 24 من الدستور اللُّبنانيّ تحمي المناصفة والقانون الحالي يعتمد عليها رغم أنَّ نسبَة المسيحيِّين 36% ونسبة المسلمين 54%. لبنان قائم على التناقضات والطائفيَّة في النفوس قبل النصوص. حاول التيَّار تفعيل التمثيل وتسهيله في الوطن وبلاد الاغتراب، ولكن لم يَتمّ الموافقة عند الفرقاء لاعتماد المقترحات من Mega center وتمديد التسجيل للمنتشرين في العالَم كما فُرض التسجيل المسبق. والحزب هو في سعي دائم لكي يشارك اللُّبنانيّ بكلِّ شيء، علَّه نصل إلى التعاطي الحضاري بين بعضنا كلبنانيين والتفتيش على لبنان خارج إطار العائلة والقبيلة والضيعة والطائفة». ثمَّ علَّق بيار أبي صعب على أنَّه لا يجد مكاناً له كمواطن ضمن الأرقام المطروحة في القانون. فبالنسبة له، إنَّه قانون يُرسِّخ النظام الطائفيّ ولا يفتح مجالاً للاختلاف. الصيغة في لبنان في الوقت الحاضر هي «الفساد والطائفة»، و«البلْفَة» بحسب أبي صعب هي «قوى الأمر الواقع». الفخ الأكبر هو أنَّ القانون لا يأخذنا إلى حلّ بديل. فالمظلوميَّة هي في أن يُترك المواطن على أبواب المستشفيات...المجتمع المدنيّ مكبَّل حالياً وليس هناك قوى سياسيَّة تستطيع فرض الأشياء على السلطة. طرح أيضاً الحلّ في نظام إنتخابي على أساس الدائرة الواحدة من خارج القيد الطائفيّ. فلكي تأخذ النسبيَّة معناها، يجب عدم الوقوع في فخّ الطائفة التي هي هويَّة إيمانيَّة وليس وطنيَّة واعتماد الديمقراطيَّة مع إلغاء الطائفيَّة فيتحوَّل الطائفيّ إلى مواطن.
أما جان خشّان، فقد حدَّد تطلُّعات حزب القوَّات اللُّبنانيَّة بأن يصبح لبنان بلداً يحترم المواطن بكلّ ما للكلمة من معنى. والباب الأوَّل للعلاج هو الإقرار بالواقع. وللوصول إلى ذلك، هناك خريطة طريق وتدرُّج: خلق سلطة محليَّة مع لا مركزيَّة ، مجلس شيوخ يمثّل الطوائف، مجلس نوّاب خارج القيد الطائفيّ.
«أمَّا من الآن حتّى الوصول إلى هذا الطرح، فهناك تدرُّج بالحلّ وتحديد أهداف. بالنسبة لقانون الإنتخابات، الهدف منه كان العودة إلى الميثاقيَّة في لبنان بعد تهميش للمسيحيِّين دام طويلاً. أن يصير المسيحيُّون شركاء فاعلين في إنتاج السلطة فالوجود المعنوي قبل كلّ شيء. في القانون السابق كان المسيحيُّون مغيَّبين عن دوائر عديدة، فالهدف الأوَّل للقوّات اللُّبنانيَّة كان بالتفتيش على قانون أيّاً كانت صيغته يعيد للمسيحيِّين التمثيل بحسب الميثاقيَّة، والهدف الثاني أن يعزِّز هذا القانون العمل الحزبيّ. تمَّ التدرُّج بما يلي: تصحيح القانون، الوصول من 31 إلى 54 نائباً مسيحيّاً يُنتخب من مسيحيِّين، الأقليَّات كالعلويِّين أضحى لهم ممثّلون والأقليَّات في كلّ دائرة أصبحت عندها إمكانيَّة التمثيل. يبقى أن يصبح الحاصل الإنتخابي في كافَّة الدوائر 6% للتوازن. لبنان تعب من اليأس، والثقافة أكبر مدخل للأمل. القانون نقلة نوعيَّة إلى الأمام ويجب الإضاءة عليه من هذه الناحية، علماً بتحسين ما يجب تحسينه في تطبيقه مع الوقت».
شارل سابا أوضح أنّ السجال اليوم هو بين حدّين: «الميثاقيَّة، المساواة من جهّة، والمواطنة وفتح النظام إلى المزيد من العلمانيَّة من جهّة ثانية. أي الذهاب من الإتحاديَّة بين الطوائف إلى نظام يحترم المواطن ويحترم المجموعات التي فيها تنوّع للطوائف في البلاد». إنَّه بالنسبة لسابا موضوع منهجيّ، «فالوقائع اليوم هي في انفصام دور النائب: فإنَّه يمثّل المواطن كما يمثّل أيضاً مذهبه ومنطقته، في الميثاقيَّة واحترامها رغم عدم التوازن الديمغرافيّ وفي الثنائيَّات والأحاديَّات المتحكمَّة بالبلاد. قد تأخذنا هذه الأحاديَّات والثنائيَّات في حال الاختلاف إلى حروب أهليَّة، وفي حال التوافق إلى الحكومات بالمحاصصة والذهاب بالدَّين العامّ إلى حدود لا نستطيع بعدها التكلّم بالمواطنة.
المُرتجى من القانون: حلّ موضوع انفصام النائب، الذهاب باتجاه التعدُّديَّة الطائفيَّة وتكوين نظام موالاة ومعارضة للمحاسبة والمراقبة، أي خلق نظام Check balanced، الذهاب إلى الهواجس وحلّها باعتماد الميثاقيَّة. القانون الحالي أفضل من قانون الستِّين، لكنه يتضمَّن ثغرات هي الصوت التفضيلي مع تصويت في الدائرة والقضاء يشبه مفاعيل الأكثريَّة، قد يعيق الحاصل المرتفع مع توزيع الكوتا الطائفيَّة إمكانيَّة خلق موالاة ومعارضة.
تطلّعات الكتائب هو النسبيَّة مع اعتماد الدائرة الواحدة، خلق مجلس شيوخ للطوائف، مجلس نوّاب خارج القيد الطائفيّ والعمل بالتوازي على قانون الأحزاب ودعم الأحزاب. فما يحصل حالياً هو ضرب للأحزاب من الداخل ودعم المال ورجال الأعمال. وأخيراً دعم الكوتا النسائيَّة ترشيحاً».
تطرَّق بعدها حسن مقداد إلى شرح الثنائيَّة الشيعيَّة بأنَّها حزبيَّة ووطنيَّة تجسِّدها أمل وحزب الله. ركَّز مقداد على أنَّ القانون النسبيّ هو مطلب حزب الله منذ سنة 2000. وصفه بأنَّه المدخل الأساسي في لبنان لإعادة صياغة الحياة السياسيَّة. ويبقى السؤال الأكبر «حول ما أنتجنا لمتطلِّبات المواطن في لبنان. النسبيَّة على أساس الدوائر الخمس عشرة تلبّي بعض من طموحات الحزب إنَّما التطلّع الأكبر هو أن يصبح لبنان دائرة واحدة. إن التركيبة الإجتماعيَّة للحزب قد تعطيه لوناً طائفيّاً ولكنَّه وطني. في هذا القانون بعض الأحزاب تُمنع من تصريف ناخبيها بحصرها في دائرة جغرافيَّة.
لقد انتقلنا من المفهوم الطائفيّ «الجماعة تمثّل الطائفة» في 1975 إلى المفهوم الوطني والسياسيّ (كتلتَي 8 و14 آذار) في 2005 عندما استشعرنا بالخطر على الكيان الوجودي. إنَّ الوضع الإقتصادي الذي ينهار والتحوّلات في المنطقة والوضع الإقتصادي يدفع إلى تعزيز روح المواطنة ليخرج الخوف من القياس الحزبي إلى قياس المواطن ومعاناته. الخوف من بعضنا يعطّل قدرة اللُّبنانيّ على الإبداع. الحزب يسعى إلى عودة المغترب وإعطاء الجنسيَّة لأبناء اللُّبنانيَّات ويطلب تحسين التصويت الوطني ورفع العتبة إلى 10% من مجموع الناخبين ففتتحالف الأحزاب الإسلاميَّة مع الأحزاب المسيحيَّة للوصول إلى السلطة».
وختمت المداخلات كريستيان صليبا بتطرُّقها للقانونين اللذين يخصَّان الانتشار اللُّبنانيّ: قانون 2008 الساري المفعول وقانون 2017 المصوَّت عليه للدورة الإنتخابيَّة المقبلة. نوَّهت بتضافر الجهود في السفارات والقنصليَّات في البلدان المضيفة لتسهيل الاقتراع الأوَّل للبنانيِّين غير المقيمين في العالم. وشرحت أنّ الانتشار مقسوم الرأي بين القانونَين ولكل منهما سلبياته وايجابياته. قانون 2008 الذي يصوّت فيه اللبناني غير المقيم لنوّاب منطقته في لبنان، يضمن التعلُّق في أرض الوطن والتوازن الطائفيّ لكنّ المتحدِّرين الشباب، لامعرفة لهم بالمرشحين. أمَّا قانون 2017 فهو يضمن إنتخاب ستَّة نوّاب للقارات بالتساوي بين المسيحيِّين والمسلمين. ويبقى السؤال مطروحاً حول هذا التوزيع الطائفيّ واشكالياته. وهل يكفي ستَّة نوّاب للانتشار حيث سينتخب من الخارج في هذه الدورة حوالي 90000 ناخب. ربّما هذا العدد سيرتفع خاصّة مع قانون إستعادة الجنسيَّة، فكيف سيتمّ توزيع النوّاب بحسب الطائفة؟

الخلاصة
إنّ الأحزاب والفعاليات المشاركة عبَّرت بشكل واضح عن دعمها للنسبيَّة ـ باستثناء «التيَّار الوطني الحر» ـ في الدائرة الإنتخابية الواحدة مع اعتماد مجلس شيوخ طائفيّ ومجلس نوّاب خارج القيد الطائفيّ. الأحزاب المسيحيّة الانتماء نوَّهت بالميثاقيَّة وبالتمثيل المسيحي الذي انتقل من 30 % الى 54 %. همّ المواطنة جليّ، ولكن التعاطي الحالي هو مع الواقع الطائفيّ في ظلّ النظام الطائفيّ السائد في النفوس. المرتجى من القانون يبقى في تعديله لتمثيل أفضل ومعالجة الثغرات السلبيَّة في تطبيقه.
المساحة الثقافيَّة للندوة فتحت الآفاق أمام مشاريع مستقبليَّة من شأنها أن تعزِّز المواطنة والتعدُّديَّة الحزبيَّة ضمن الطائفة الواحدة. لقد دافع المشاركون عن حقّ المواطن بالعيش الكريم أوَّلاً من خلال دعم الخدمات الصحيَّة والتعليميَّة والاجتماعيَّة التي تجعله فخوراً بانتمائه إلى وطن يحترم الطوائف والتعدُّديَّة الحزبيَّة ضمن الطائفة الواحدة في جوّ من المساواة والميثاقيَّة اللُّبنانيَّة.
التعرُّف على الآخَر، عدم الخوف منه، التلاقي في الاختلاف حول ذاكرة مشتركة وتراث مشرقيّ مشترك، بين أبناء الوطن، هذه وسيلة لمساعدة النفوس على مواجهة الخوف الطائفيّ المتبادل للوصول إلى الإفتخار بالانتماء إلى وطن اسمه لبنان يحترم تاريخه ويتعلَّم من ماضيه ومعاناته.

* منسّقة هيئة الكتاب- معاً نعيد البناء
* رئيسة الهيئة الثقافيَّة العالميَّة للجامعة اللّبنانيَّة الثقافيَّة في العالم