أثبت العلم وجود خلايا عصبية مستقلة في البطن والقلب. وقد انقسم العلماء بين مؤكدين لوجود عقل جذعي، وعقل قلبي مستقلين عن العقل الدماغي، وبين رافضين لوجود أي معنى لهذه الخلايا، وما زالت الأبحاث مستمرة.

يتدرج الوعي بيولوجياً مع العمر، فينمو بنمو الجسد. في البداية، ينمو الوعي المادي أو العقل الجذعي (نسبة للجذع أو حوض الإنسان). عقل الرضيع الذي تدور حياته حول بطنه، متعته تكون عبر التغوط والتبول. وقد شرح علم النفس اهمية هذين الفعلين كأول متعة تجسد الأنا بالنسبة للطفل. يكتمل هذا الأنا عبر المتعة الجنسية ويكتمل العقل الجذعي في دورانه حول هذه الحاجيات.
ينتقل الإنسان من وعيه الجذعي الى الوعي القلبي، فيتحول من كائن يستهلك خيرات الأرض، محولاً إياها نفايات الى كائن مسؤول يستقبل الدم الملوث في الجسد ليستبدله بالدم النقي الضروري لتوليد الحياة. يتحول كائناً يتحمل مسؤولية نفسه، ثم أباً مسؤولاً عن عائلته، وفرداً مسؤولاً عن مجتمعه يجد حلولاً لمشاكله، ويحوّل الطاقة السلبية المميتة الى طاقة ايجابية مولّدة للحياة عبر الحب... وصولاً إلى الوعي العقلي الذي يتّحد الانسان فيه بالكون في نهاية المسار، فيولّد القيم العامة. هذا الانتقال من وعي الى آخر يتم عبر الخيار الحرّ. كلما قدّس الإنسان خارجه المادي وسعى إليه، كلما ابتعد عن داخله الإنساني وفقد قيمته، فينغمس في متعه ويدمن عليها متحولاً الى كائن أناني.
ماذا لو كان لوعي الانسان رائحة كجسده؟ ماذا لو كان للغضب رائحة كرائحة التعرق؟ كان البشر سيسعون بشكل حثيث لتنظيف أفكارهم وأحاسيسهم وكتم غيظهم. ماذا لو اشتممنا رائحة الأفكار، فماذا ستكون رائحة الوعي الجذعي؟ هذا الوعي يحاكي الجهاز الهضمي، لو اشتممنا رائحة أفكاره لوجدنا من يدمن على هذا الوعي، مدمناً على توليد متعته المتولدة عبر التبول والتغوط وممارسة الجنس. هو يمتص الحياة ليبادلها بإفرازاته. وعيه يمتص كل أحداث الكون ليولد أنانيته، فستكون المعادلة كالتالي: بالنسبة له متعة افكاره كبيرة، وبالنسبة للطبيعة قاذورات بشرية، أفكار هدفها غائطه وبوله ولا فائدة فيها لأي آخر. إنه الأنا الجذعي الخالي من أي امتداد إنساني عبر الآخر. دوران مطلق حول الذات أو الأنانية المطلقة. لو استطعنا اشتمام رائحة باطن الفرد، لما استطعنا الجلوس في معظم صالونات المدينة، ولفهمنا ظاهرة الاحتباس الحراري والتلوث البيئي بشكل أفضل.
ينتشر شعار «كن نفسك» كحل لمشاكل العصر، كما لو أنّ النفس بذاتها كيان مستقل ومرجعية مطلقة، من دون السؤال عن ماهية هذه النفس، وأي وعي تحمل. ولو استطعنا النظر بشفافية عبر الجمجمة وتحديد شكل الوعي، لرأينا الوعي الجذعي يتجسد مرحاضاً في الرأس، يقضي حامله حياته لاهثاً وراء المال، عاشقاً للاستهلاك، مؤلهاً أناه، وهو العنصر المطلوب لتنمية اقتصاد هذا العصر.
في مسرحية «غرفة 202» لطارق تميم وروان حلاوي، يتم تمجيد هذه الأنا واعتبارها مرجعية كافية. رجل وامرأة يلتقيان للمرة الأولى ويتفقان على الزواج لظروف كل منهما. يمضيان المسرحية في وضع الشروط الزوجية المناسبة لكل منهما لإنجاح الزواج. يتم تناول أدق التفاصيل التي ترسم الأنا فيها حدودها. هذه المسرحية أرادت أن تكون مدخلاً لتوصيف الحياة الزوجية، لكنها ترسم في المقابل الموت الزوجي، حين يتزوّج الفرد في سبيل تأمين راحته القصوى ومصالحه الذاتية.
في النهاية، يتم تقديم هذا الوعي الذاتي على أنّه الوعي المطلوب، وما ينتج عنه هو الحب، بينما في الحقيقة هذا الرسم للأنا يمثل موت القلب وموت الحياة الحقيقية في الداخل حيث يلعب الأنا على جثة الحب. بدل تقديم نص نقدي للوعي الناتج عن زمننا هذا، تم تمجيده وتقديمه على أنه الحل. يصبح الجنس بديلاً من الحب والمصالح الذاتية بديلة من البذل والعطاء. أداء طارق تميم للشخصية كان محترفاً وسلساً، بينما انعكست عفوية روان حلاوي على المسرح سلباً على الشخصية، مما جعلها تفقد تطورها الدرامي مع الأحداث، فلم تتفاعل حزناً أو فرحاً بالشكل المطلوب للشخصية بحسب الأحداث. كما يفعل معالج الهوميوبات homeopath حين يذوّب السم في الماء آلاف المرات حتى يفقد مفعوله، فيحوله لدواء، كذلك يحاول جورج خباز في مسرحيته «إلا إذا» تقديم الواقع الطائفي في لبنان انطلاقاً من قصة بناية يسكنها أناس من مختلف الطوائف. كل عائلة تمثل طائفة من طوائف البلد.

طارق تميم وروان حلاوي في مشهد «غرفة 202»


تتم معالجة الطائفية كحالة نفسية لا سبب لها. هي مجرد أهواء شخصية تولد مع الإنسان بفعل بيئته وينمو حبها في قلبه. ورغم تعصب كل فرد لطائفته، إلا أنّ هذا لا يمنع أن يسود جو الحب والتعاون بين سكان البناية. وعندما يكتشف السكان بفعل الفحص الجيني انتماءهم لطوائف أخرى، ينقلون تعصبهم فجأة لهذه الطوائف.
الطائفية منظومة نفسية قائمة على نفي الآخر وتمجيد الأنا لذاتها. هي تجسد الأنا الجذعي إذا حكم واستشرس. وهي انعكاس لمنظومة اجتماعية أنشأها أناس هربوا من مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم، ففشلوا في توليد صورة الأب الحقيقي الذي تنتج عنه القيم الاجتماعية، وانغمسوا في أنانيتهم رافضين قلبهم. النظام السياسي القائم هو انعكاس لهذه المنظومة الاجتماعية لا العكس. وفي مسرحيته، يقدم جورج خباز الفرد كحمل وديع محب يستغله الزعماء السياسيون وينهشون لحمه. هذه المقاربة تعجز عن تقديم التركيبة النفسية الحقيقية للشخص الطائفي وتحيله الى المظلومية التي تسمح له بالانغماس أكثر في وعيه الجذعي، في متعه الطفولية، ليحيل الوطن الى ملعب لأهوائه، كمثل الفيل في معرض للكريستال.
في النهاية، شاهد المواطن الطائفي مسرحية جورج خباز، فلم يشعر بالسوء، والرجل السياسي فلم يشعر بالخطر، ورجل الدين فلم يشعر بالمسؤولية. خرج الجميع ضاحكين ومصفّقين للكوميديا. لا آباء في مجتمعنا، بل مجرد أطفال في عمر الشيخوخة.

* «إلا إذا» لجورج خباز: من الأربعاء حتى الأحد ــ «مسرح شاتو تريانون» (الزلقا) ـ للاستعلام: 04/722245