«بمسرح الانتقام ما في مسامحة، المجرم منّو بطل، المسرح ما بسامح». بهذه العبارة، تتخذ فرقة «زقاق» المسرح منصة سياسية لمقاربة مفهوم البطل في مقابل مفهوم المجرم، جاعلة المسرح فعلاً سياسياً بامتياز.

خلال التدرب على تمارين مشهدية وقبل بدء «التمثيل» (أو الإعلان عنه)، يفاجئ المؤدون المشاهدين بجريمة قتل مُتَفق عليها تحصل أمام أعينهم. بهذا الفعل، يوضع المشاهد مباشرة في موقع الشاهد على الأحداث... شاهد على تمثيل التمثيل، أو إعادة تمثيل للقتل والعنف والإجرام على المسرح. والشاهد على الأحداث متورط بها، وهو في موقع مسؤولية.
مايا زبيب، وجنيد سريّ الدين، ولميا أبي عازار على الخشبة في خضم التفكير والتحضير والتفتيش عن كيفية تمثيل المسرحية التي هي «جريمة كبيرة» لا يعرف المؤدون إذا كانوا فعلاً يريدون ارتكابها أو لا. يستند نص «راسين بالإيد» إلى مسرحية «تيتوس أندرونيكوس» الأكثر دموية بين أعمال شكسبير، إلى جانب نصوص أخرى له تعالج أسئلة مثل: كيف اكتساب السلطة السياسية والمحافظة عليها؟ ما هو الفارق بين العنف والوحشية في الحكم؟ كيف للمجرم أن يصبح بطلاً؟ ما هو مفهوم البطل؟
تطرح «زقاق» الأسئلة الشكسبيرية من أجل تحليل ومساءلة النماذج الأصلية للنظام الأبوي، وكيفية تحقيق العدالة التي تؤدي إلى دوامات عنف وانتقام لامتناهيين في سياقنا اليوم. تعاون على إعداد النص وإخراجه، كل من عمر أبي عازار ومايا زبيب ولميا أبي عازار وجنيد سري الدين. يأتي هذا العرض بالتوازي مع عروض صباحية لطلاب المدارس والجامعات ضمن برنامج «أبواب زقاق المفتوحة». يعتمد النص على السرد التاريخي لجرائم سببها التنازع على السلطة والانتقام بين تيتوس أندرونيكوس وتامورا وأبنائهم وأحفادهم حتى نصل إلى يومنا هذا. جاء سرد الأحداث غير خطي non-linear، إذ انتقل الممثلون من السرد التاريخي، إلى سرد وتمثيل أحداث معاصرة على لسان شخصيات غير مسماة من واقعنا السياسي المحلي، ما يحثّ المشاهد على اتخاذ مسافة من الواقع والتفكير به. كل هذا في توازٍ لمساءلة المسرح والتمثيل حول تجسيد العنف والوحشية. كل ممثل يمثل نفسه أيضاً، خالقاً مسافة للتفكير وإعادة النظر في أفعاله وممارساته. وهو بذلك يصبح «إنساناً سياسياً» بحسب مفهوم حنّة أرندت. فالممثلون يمثلون أنفسهم أيضاً ويطرحون إشكالية عدم قدرتهم على استيعاب درجات العنف لدى الشخصية، وعجزهم عن تمثيلها والتفكير بفعل القتل، ودافع الإنسان إلى ذلك.

سرد جرائم سببها التنازع على السلطة والانتقام


المسافة التي خلقتها «زقاق» بين الجمهور و«عنف المدينة»، تحثه على التفكير. الممثلون يلعبون شخصيات تاريخية، وأخرى واقعية، ويلعبون أنفسهم أيضاً في محاولة للفهم والتفكير معاً مع الجمهور. مقاربة تجعل من الفعل المسرحي فعلاً سياسياً.
السينوغرافيا بسيطة غير متكلفة، بمعنى أنها تخدم دراماتورجيا العرض، فعناصرها متوازية أيضاً بين التاريخي والواقعي، حتى تتداخل عناصرها كما يفعل النص. الموسيقى كان لها وقع ملحمي، خدمت المشاهد التاريخية. اعتمد الممثلون على أصواتهم لخلق خلفيات للمشاهد، وهنا لا بد من التنويه ببراعتهم في التأدية المسرحية والتنقّل من شخصية إلى أخرى وإلى أنفسهم. وجاء عنصر الإضاءة ليخلق جمالية للمشاهد ويولّد صوراً رائعة.
المواجهة بين الشخصيات الشكسبيرية وتلك الواقعية، تصل إلى حالة من الهذيان في الانتقام والإجرام. فالـ«جريمة بتفرّخ جريمة» أخرى. مجرمو الحرب أصبحوا أبطالاً وهم ما زالوا في مناصب القيادة حتى اليوم، ولا من يحاسبهم. اكتفى بعضهم بالاعتراف بجرائمهم ومحو التاريخ الذي صنعوه، وكان ذلك كافياً للعفو عمّا مضى: «الاعتراف متل العفو العام، بيمحي الخطايا وبكمّل الواحد حياتو عصفحة بيضا، ضميرو مرتاح. يعني بدكن تعتبروا انو إذا الواحد قتل واعترف بجريمتو، بتنمحي جريمتو إنسانياً واجتماعياً».
عملية التفكيك التي اعتمدتها الدراماتورجيا عبر المقاربة بين المسرح والحياة، واعتماد المسرح كممارسة سياسية وكوسيلة للتفكير ومراجعة الحسابات بعيداً عن عملية النقد، وتفكيك إعادة التمثيل، هي «عملية أكثر حدةً من أي نقد» بحسب دولوز وغاتّاري في كتابهما Kafka, Pour une Littérature Mineure.
صحيح أن المسرح والجريمة متشابهان من حيث إنهما يحصلان مرة واحدة كما جاء في العرض، إلا أن الحياة/ الواقع مختلفة تماماً عن المسرح. فالعدالة في واقعنا تأخذ مناحي مختلفة عن العدالة والانتقام في المسرح. الأمر نفسه ينطبق على العنف ومفهوم البطل واختلافهما في المسرح والحياة. في واقعنا، تختلف المفاهيم والإشكاليات تماماً، فالبطل هو نفسه المجرم الذي اعترف بجرائمه، فمُنح العفو العام. في المسرح، «الانتقام ما في مسامحة، المجرم منّو بطل، المسرح ما بسامح» و«الممثلين بطّل عندن واقع يرجعولو، حربن صارت على حالن». عبر وضعه في مواجهة مع عنف مدينته، هل تدعو «زقاق» جمهورها إلى شن حرب على نفسه وعلى واقعه؟

* «راسين بالإيد»: 20:30 مساء اليوم وغداً و3 أيار (مايو) ــ «استديو زقاق» (كورنيش النهر) ـ للاستعلام:70/324912