«ضربة عنيفة مستقيمة بعصا عوجاء»

(قول رقيق جامايكي)
يعود الفضل إلى فرانز فانون في إفهامنا قيمة العنف ودوره الحاسم في دفع الحراك التحرري إلى نهايته المرجوة وهي أن يصبح الأواخر الأوائل؛ أي أن تكون الغلبة للمستعمَر على المستعمِر. لكن إضافة فانون الثرية والمتحصلة من خبرته واشتغاله بالطب النفسي في الجزائر المستعمَر حينذاك، تكمن في لحظه للدور العلاجي للعنف بوصفه خياراً تطهّرياً من ندبات الذل والمهانة التي يحدثها الاستعمار في نفسه. لكن ما ينبغي التنبه له أن هذا العنف المطّهر لا ينفجر كما لو أنه فعل انعكاسي، فهو ليس ردة الفعل «الطبيعية» على الاحتلال، ورشُّ الأرّز على المحتّل هو تعبير له ما يماثله في جميع الحروب. أما تشبيه فعل المقاومة بالانفعالات والانعكاسات الجسدية نتيجة الألم، فما هي إلا استعارة مضللة. إن المقاومة لا تقوم على مرجعية طبيعية بقدر ما تقوم على مرجعية ثقافية قد نجدها خارج السياسات الظاهرة والخطابات المعلنة، لكنها حتماً حاضرة في ما وراءها. وما يجعل المقاومة ممكنة ويفجرها لاحقاً هو ذلك المحرّك المكون من أدوات واستراتيجيات وتكتيكات ثقافية تشكل البنية التحتية لأي فعل مقاومة، بحيث لا يشكل العنف المادي إلا مرحلة متأخرة عن العنف الثقافي والرمزي الذي يمارسه المغلوب تجاه الغالب.

فرانز فانون

فلتفسير وضعه ومعرفة ما ينبغي فعله والتنبُّؤ بمستقبله، يستعين المستعمَر بحقيبة من الأدوات الثقافية (الشعر، الخرافة، الأسطورة، والطقوس..) المصانة في ذاكرة الشعب الجمعية. هذه الأدوات وتأويلها قد تؤدي إلى تأجيج الصراع أو تبريده كأن تصبح هذه الأدوات وسيلة لتفريغ الحنق الداخلي بدلاً من أن تكون منطلقاً لإثارة الغضب ودفع الرغبة بالانتقام إلى مداها الأقصى. وسواء أكانت الحكاية (راجع كتاب إيريك سيلبين، «قوة الحكاية: الثورة والتمرد والمقاومة») أم المسرحية أم غيرها من الأدوات والخطابات المصاغة بإتقان خلف مسرح الأحداث، هي التي تؤدي إلى خلق مجتمع واحد مشترك، تؤمّن فيه رموز وثيمات وشخوص، الإدراك والمعرفة وخطط العمل اللازمة للانتقال نحو عالم أفضل.. فإننا، في الحالات جميعها، نجد أنفسنا إزاء عنفٍ ثقافيٍ مؤسسٍ لأي «تدافع» مادي لاحق.
ليست صدفة أبداً أن تكون الفئة «الأقل تثقيفاً» من الشعب، هي الفئة التي تقف في مقدمة الحراك الاجتماعي والسياسي، والأكثر إمداداً لأي نشاط ثوري أو مقاوم. نقول «الأقل تثقيفاً» بمقاييس الثقافة النخبوية، لكن نظراً إلى ما تملكه هذه الفئة من ثقافة شعبية زاخرة، فإنها تعدّ الأغنى والأكثر قدرة على تقويض الثقافة الرسمية والسرديات المهيمنة التي ينتجها الغالب. فهؤلاء، ونظراً إلى ذاكرتهم الجمعية الثرية ولتراثهم الشفوي المليء بحكايات الأبطال والمُلهمين والملاحم والمأثورات والخرافات والشعر الحماسي التي يستطيعون تكييفها وعصرنتها وشحنها بالمزيد من الدلالات، هم الأقدر على تحدي التواطؤ الرسمي وعلى الإشارة إلى طرق أخرى أمست متجاوَزة.
المسرح العاشورائي: «ضد الطغاة»
إنه عام 1982، اليوم الأول من شهر محرم. مجموعة صغيرة مؤلفة من تسعة شبان يلبسون الأسود، ويحملون لافتةً خُطّ عليها: «ثورة الحسين مدرسة الثائرين ضد الطغاة»، يعبرون أحياء قرية مجدل سلم باللطم وترديد الشعارات الحسينية. لاحقاً، خلال الأيام الأولى من محرم، تضاعف عدد المشاركين الذين توافدوا من قرى مجاورة، فأُلبسوا ثياباً خاصة كانت تخيطها النساء. إحداها بيضاء كالكفن طبع عليها شعار «عشَّاق الشهادة» مخصص للرجال، وآخر للشباب طبع عليه شعار «هيهات منا الذلة». كان الحشد الأكبر في اليوم العاشر من محرم، حيث رُفعت صور للسيد الخميني ولافتات كتب عليها «الموت لإسرائيل» وغيرها.. كانت أولى نتائج هذه التحركات: مصادمات شعبية مع الجيش الإسرائيلي، ترهيب السائرين بتحليق طائرة مروحية فوقهم، محاولة قوات الطوارئ الدولية إيقاف المسيرات، قصف المسرح، وفي وقت آخر محاولة اغتيال أحد المؤسسين للحراك العاشورائي هو الشيخ علي ياسين. لكن كيف واجه الأهالي ذلك؟ لقد كان تحدي المواصلة أكثر تحفيزاً: لم يرضخوا للتهديدات، عبّروا عن رفضهم لإيقاف المسيرات بشعارات خطّوها على الجدران، ورفعوا قبضاتهم حين حوّمت المروحية فوق رؤوسهم. أما قصف أرض المسرح، فلم يمنع الأم من اصطحاب ابنها لمشاهدة المسرحية.
في عامي 1983-1984، صار النشاط أكثر تنظيماً؛ زاد عدد الأهالي المتطوعين بالتنظيم والإطعام، وعرضت بعض اللوحات المسرحية العاشورائية بشكل يومي. وهنا يجدر التوقف قليلاً. لا يذكر أيٌ من محدثِيَّ: محمد ياسين (منظم مؤسس) وموسى ياسين (مخرج مؤسس) الزمن الذي كانت تُعرض فيه المسرحيات العاشورائية، لكنهما يؤكدان أن انقطاعاً طويلاً أصاب هذا التراث الذي بدأه الأجداد. لكن، لماذا أعيد إحياء المسرح العاشورائي في هذه الفترة تحديداً؟ أليس ذلك استجابة ومواجهة
للاحتلال؟
هذه اللوحات المسرحية تطورت على يد خضر وهب وآخرين، حيث جرى الإعداد لمسرحية كبيرة عرضت في 1985. وهبٌ هذا، هو واحد من الشبان التسعة الذين أطلقوا هذا الحراك، والذي لا تزال الفرقة المسرحية تحمل اسمه بعد استشهاده. وبدءاً من هذا العام، صار المسرح العاشورائي مسرحاً سنوياً، يشارك في إعداده وتنظيمه مئات الأشخاص.
يذكر محمد ياسين أن المشاركين في التمثيل والتنظيم هم غالباً من المقاتلين على الجبهات. بعضهم كان يختار إجازته في عاشوراء ليشارك في العمل، ويسرد قصصاً عن معونة الأهالي وحرصهم في تثبيت هذا المشروع، كقصة المرأة التي تنتج أرضها مقدار غالونَي زيت، تحتفظ بواحد وتبيع الآخر لتسهم معهم بثمنه، وأخرى تصر على أن تمد المسرح من بستانها بسعف شجر النخل كديكور. أما بشأن الانطباعات والمشاعر التي تخلفها المسرحية بمشاهديها، فيُذكر أنه جرى تخليص ممثل دور «الشمر» (قاتل الحسين) غير مرة من بين أيديهم، كما أطلق الأهالي على الوادي الذي تقام فيها المسرحية اسم «كربلا».
التحدي الأكبر أمام أي حركة تحرير ومقاومة هو تحويل القضية الجماعية إلى مسألة فردية


في العام نفسه - أي 1985 - عرضت الفرقة مسرحية «أبو علي في ظل الاحتلال» وهي المسرحية الأولى التي تطرح موضوع المقاومة والصمود بشكل مباشر. يقول موسى ياسين: «في هذه السنة، كنا نعرض مسرحية حسينية يومياً بعد المسيرة، وكانت هذه المسرحية إحداها، تتحدث عن أب يستشهد ابنه وعن معاناته مع الاحتلال، وعن الصمود والثورة والنصر». انطلاقاً من هذه المسرحية، عملت الفرقة على إنتاج أعمال أخرى تحاكي صمود الشعب ومقاومته للمحتل كمسرحية «جرح أرض» التي عرضت في قرى ومناطق مختلفة في الجنوب وفي بيروت قبل التحرير وبعده، و«أشرف الناس» التي تروي قصصاً عن صمود الناس في حرب تموز 2006، كان قد جمعها المخرج موسى ياسين من ذاكرة الجنوبيين.

«أحراراً في دنياكم»
التحدي الأكبر أمام أي حركة تحرير ومقاومة، هو تحويل القضية الجماعية إلى مسألة فردية وهم شخصي. والطريقة الأنجع لتحقيق ذلك هو الموالفة بين السياسة والثقافة، وهذا ما استطاع حزب الله إنجازه ونجح فيه. فالقضية لا تصان بالنظرية أو بالخطاب والاستعراض السياسي، وإنما يصونه الركن الحرام والمقدس القائم في قلب الشعب، والوعي الفطري الذي لم تشوشه المراوغات الإعلامية والسياسية. لكن الثقة بالشعوب بعيداً عن التبجح الخطابي، ليست مهمة سهلة للطامعين بتصميم الشعوب على مقاسات أفكارهم. وتثبيت أي حراك تحرري في عمق وجدان الناس، ليس الوجهة البديهية لنخبنا الذين يتأنفون من مخالطتهم أصلاً! لذا كان الانتصار الأهم الذي حققته المقاومة هو في انبثاقها من الشعب، وفي إعادته إلى المقدمة.
إن هزيمة الحسين التي انتهت بمقتله، هي التي جعلت مقتل الجنوبيين فاتحة لانتصارهم. لقد حددت لهم الاستعادة للملحمة التاريخية خطة العمل وشكل الصراع والقيم الأخلاقية الواجب عليهم حفظها. «لأن فكر الناس صافي، فإن قول الإمام الحسين: كونوا أحراراً في دنياكم، يضحي كافياً لدعوة الناس إلى الثورة» يقول موسى ياسين الذي يربط بين العدد الكبير لمقاتلي وشهداء مجدل سلم ووجود المسرح العاشورائي في البلدة. فالرمز للشعب وإن كان في أقاصي التاريخ هو حي ـ في كل لحظة ـ فيهم، بوجوه أخرى ومعان خضراء. يخوض حروبهم. يصد القنابل ويسدد الرمايات. وسواء في مجدل سلم أو النبطية أو أي قرية أخرى، فهم الشعب التاريخ في حاضره جيداً، مثلما عبَّر الراوي في فيلم «زهرة القندول» عن تصدي المشاركين في المسرح العاشورائي للصهاينة: «بدل ما يطلع عبد الله من المسرح إجا من خلف الجموع.. بدل الرجالة رجع بالدبابات وبدل الخيالة رجع بالطيارات.. يا أبا عبد الله، اليوم يوم ثورتك مش يوم عزاك».

المقالة الفائزة في «جائزة نواة للأفكار الإبداعية 2017» التي ترعاها «الأخبار»، وقد فتح أخيراً باب المشاركة في دورة 2018