انطلق الباحث يوسف أبو خليل، في محاضرته، من جملة أفكار، اعتبرها مرتكزات قامت عليها الوجودية السارترية، أبرزها أنّ القلق كان المحرّك الأبرز لمذهبه. وهذه نقطة سجالية، إذ إن كثيرين لن يوافقوه، وسيفضلون أن تستقيم الحرية في مكان القلق. ببساطة، كان يمكن الانطلاق من كليشيه سارتري مفاده أن الوجود يسبق الماهية، وأن مبدأ الوجود الأول ــ عينياً ــ هو الاختيار. وهذا يعني الحرية، ولا يعني القلق. ذلك أن الحرية هي من الثوابت في وجودية الرجل، ولا تحتمل اجتهاداً ينسف المدخل، أو يعيد ترتيب العقل السارتري. النقطة الثانية، هي أن سارتر ــ حسب الباحث ـــ هو الوحيد الذي سمّى نفسه وجودياً. ولم يُفهم إن كان القصد هو العرض، أو الاعتراف لسارتر بتفوقٍ بين أهل الوجودية، إن كان بين هؤلاء كيركغارد أو حتى هايدغر.


وإذ يقول أبو خليل إن هدف الوجودية لم يكن «الابتعاد عن الدين»، كان عليه التمييز هنا بأنه يتحدث عن كيركغارد، ولا يتحدث عن سارتر. وإن كانت وجودية الأخير مذهباً إنسانياً، فما يميّزه فعلاً كما ورد في اللقاء، أنه أديب أيضاً وسياسي. أما هايدغر، فسيظهر في مكانٍ آخر خلال اللقاء، عندما قارب أحد الحاضرين علاقة سارتر بهِ بخِفة موصوفة. صحيح أن سارتر لم يخرج من عباءة هايدغر كما خرج هايدغر نفسه من عباءة هوسرل، أو كما استقل كارل ماركس من هيغليته، إلا أن «الوجود والعدم» لا يعني إطلاقاً أن سارتر هو نسخة فرنسية مترجمة عن ألمانية هايدغر، كما اتفق الحاضرون بلا تدقيق. وللتمييز بين هايدغر، الذي يتجاوز سارتر في الموقع الفلسفي، وبين سارتر صاحب المواقف السياسية من منطلقات فلسفية، يمكن قراءة «فينومينولوجيا الحياة الدينية» (نقلها جان غريش للفرنسية). مِن شأن هذه القراءة، أن تفضّ شبهاً مبالغاً فيه بين آراء الرجلين، لأن «فينومينولوجيا الحياة الدينية» كانت تسمية هايدغر نفسه لمحاضراته في فلسفة الدين. أما موقف سارتر من فلسفة الدين، فهو معروف، ذلك أنه كان على عكس ديكارت، من أنصار إثبات الذات، بينما كان ديكارت يرى أن الذات امتداد لمتعالٍ في الفلسفة هو الله.
النقطة الثالثة، من حيث انتهينا. المنهج الفينومينولوجي، أو الظواهري، الذي يعتمده سارتر، وما يجعله «استعارة» من هايدغر، أو من خلفهما كلاهما، هوسرل. نقطة أصاب فيها العرض بلا شك، إلا أن الفينومينولوجيا لم تكن الدافع الحقيقي لمواقف سارتر السياسية، كما ذهب البحث. كان من الممكن الإشارة إلى أن الوجودية عند سارتر كانت حركة اعتراضية ومضادة للفلسفات البورجوازية، ولا تتوقف على تقسيم الموجودات على أساسها الظواهري. لقد كان سارتر ماركسياً أيضاً، ومنتسباً إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وتالياً، رفض الفلسفة البورجوازية، كان جزءاً أساسياً من شخصيته وأفكاره. وإذ نتحدث عن سارتر السياسي، يجب أن ننتبه إلى ماركسيته، التي انطلق منها لرفض أي منحى بورجوازي. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، بالتأكيد ليس خلافه مع كامو الذي خضع لقراءات تبسيطية، أحداً منها، إنما يمكن بالتأكيد أن يكون خلافه مع ميرلوبونتي بسبب قبوله المنصب التعليمي في «الكوليج دو فرانس»، بحيث وضع سارتر التقدم المهني على حساب النزاهة في مصاف البورجوازية. كان هذا موقفاً ماركسياً، وكان موقفه الرافض للقبول بجائزة «نوبل» موقفاً وجودياً، بحيث أعلن عن حريته في الرفض. وفي أي حال، الخلط بين مواقف سارتر في السياسة وفي الفلسفة ليس جديداً، بل إن الفيلسوف الفرنسي نفسه صعّب الأمر كثيراً على غير عارفيه. لكن أبو خليل، أجاد التقاط التلازم بين «الوجود والعدم» من جهة، و«الغثيان»، كعمل أدبي خالص، من جهةٍ أخرى، وكان مصيباً، في أن الوجود، كما يراه هايدغر: موجود هناك. ومن النقاط الأخرى التي تناولتها المحاضرة، هي رفض سارتر للكليات أيضاً، وإصراره على إجبارية الحرية، ذلك بما أن الإنسان موجود لذاته، وليس موجوداً لغيره، وما يتبع هذا من شهية إلحادية، تفادى أبو خليل الحديث عنها، واستعاض عنها بتلميح موفق من المدونة السارترية، بحيث أشار إلى أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي سبب مجيء العدم إلى الوجود.
يجب أن ننتبه إلى ماركسيته، التي انطلق منها لرفض أي منحى بورجوازي


في الخلاصة، كان البحث في بيئة «المعارف» وبين أهلها بادرة مميزة، وإن لم يحضر عنوان المحاضرة في اللقاء، أكثر من الحديث عن سارتر الإشكالي نفسه. وهذا ما خلص إليه الباحث عندما ختم أن مذهب سارتر «الإلحادي» هو آخر المذاهب الجدية في هذا الإطار، لأن المذاهب الأخرى لا تنفي بقدر ما تشكك. الوعي الذي هو نوع من أنواع اليأس يكون عالقاً في الداخل، وسببه هو نفسه ـــــ أي سببه أن صاحب الوعي يعرف ما يظهر أنه يعرفه وحسب ــــ مرّ عابراً في المحاضرة عند الحديث عن الآخر بصورتيه الاعتبارية والحقيقية. في هذه النقطة، أوضح أبو خليل ما يجب إيضاحه، أي التناقض مع ديكارت، بحيث كان سارتر قلقاً دائماً من وجود الآخر. ذلك لأن الالتقاء مع الآخر، لا يكون ضمن موقع تأويلي يوضع الآخر فيه، بل هو قبل ذلك التقاء معه من موقع تأويلي نضع أنفسنا فيه. وما لم يكن واضحاً، هو علاقة سارتر بهوسرل، حيث كان من الإنصاف، التذكير بالوعي عن هوسرل، أي أن الوعي هو وعي بشيء ما، له وجهة محددة، تماماً مثل الضوء عندما يحل على الأشياء فتتضح. وكان من الأجدر، هنا، تعريف، ولو بسيط، للوعي في فلسفة جان بول سارتر، كما يشي عنوان المحاضرة. في الواقع، اعترض سارتر على رؤية هوسرل للأنا المتعالية، لأنه كان يخشى انقسامات الوعي على نفسه، وتالياً موته. وكما يتضح في «الوجود والعدم»، لا يوفر سارتر جهداً لإفراغ الوعي من كل ما يعتبر أنه ليس وعياً أو متعلقاً بالوعي، في الواقع لقد رغب سارتر بتحويل الوعي إلى صحراء.



المأزق الفلسطيني
لم يتطرق بحث يوسف أبو خليل إلى الإرث، أو الموروث، المتداول بين المثقفين الأوروبيين، الذي «دشنه» جان بول سارتر، أو دشن حملة الدفاع عنه، ومفاده أن اليهود الأوروبيين هم مجرد ضحايا للهولوكوست، وليسوا مستمعرين بيض، بدأوا حملاتهم مع الاستعمار الإنكليزي وفي صفوفه قبل الاضطهاد النازي. وفي الندوة «المحلية» أول من أمس، وبالتطرق إلى مواقف سارتر السياسية (بمعزل عن الجزء المشرف منها والمتعلق بالاستعمار في الجزائر مثلاً)، كان واضحاً أن سطوة الفيلسوف الفرنسي، التي كانت سارية على أبناء جيله، مستمرة في الزمن، على أبناء جيلنا. فكما كان ريمون آرون، تحت سارتر دائماً في زمانه، بحيث كانت ماركسيته فوق كل شيء، يبدو واضحاً أن جيلاً عريضاً من المهتمين في الفلسفة هنا، لا يزال يخشى الحديث عن مأزق السارترية في فلسطين، وأن هناك مزجاً بين «المسألة اليهودية» كما يراها سارتر، وبين آرائه المؤيدة للصهيونية.