بدءاً من بعد غد الأربعاء، تضيء «متروبوليس أمبير صوفيل» على السينما المصرية المستقلة من خلال أربعة أفلام حديثة أنجزها شباب يقدمون أول أعمالهم الطويلة. تحت عنوان «أطيب التمنيات من مصر»، سنشاهد «بلاش تبوسني» و«علي، معزة وإبراهيم» اللذين يسعيان إلى التوفيق بين السينما الروائية السائدة وتوجهات السينما المستقلة وروحها، و«زهرة الصبار» الآتي من عالم الفنون المعاصرة والفيديو آرت، و«صيف تجريبي»… التجريبي بامتياز!


«بلاش تبوسني»
يبدأ فيلم «بلاش تبوسني» (2017 ـــ 2 أيار/ مايو) بمشهد في الفراش بين امرأة ورجل يهمّان بممارسة الجنس، لكن الرجل يعاني مشكلة، فيدور حوار بين الاثنين ينتهي بمحاولة تقبيل المرأة، لكنها تمتنع وتصرخ فيه، لنكتشف أنها ممثلة ترفض أن يقبلها زميلها داخل أحد مشاهد فيلم يجري تصويره. على مدار الشريط، يلتقي البطلان في الفراش نفسه مرات عدة.

يناقش أحمد عامر مصطلح السينما النظيفة، مستدعياً أشهر القبلات في الأفلام القديمة

في كل مرة تمتنع البطلة عن تنفيذ القبلة لسبب مختلف، حتى يصبح السؤال الذي يدور في أذهان المشاهدين: هل سنشهد القبلة في نهاية المطاف أم لا؟ وهل تلك التي تمتنع عن التقبيل هي شخصية الممثلة «فجر» التي تؤديها ياسمين رئيس، أم أن ياسمين رئيس نفسها هي التي تتحفظ عن التقبيل في فيلم «بلاش تبوسني»؟ على مدار عقود من الصراع الحاد، استطاعت الحركات الأصولية بأفكارها المتطرفة أن تزرع أفكارها السامة عن الفن في المجتمع، ونالت السينما المصرية الحصة الأكبر من الهجوم، حتى باتت كلمة «سينما» مرادفاً للحرام والدعارة، ما دفع صناع الفن السابع إلى اختراع مصطلح «السينما النظيفة» التي تخلو من العري والقبلات، وأصبحت قيمة الممثلات والممثلين في مصر تحسب بمدى «نظافة» أعمالهم. صارت لدينا نجمات «نظيفات» وأخريات «إباحيات». حتى النجوم الرجال خضعوا لهذا التصنيف، إلى درجة أنّ هناك جيلاً كاملاً من نجوم الكوميديا والأكشن تكاد أفلامهم تخلو من قبلة واحدة، وإن كانت تحفل بكل أنواع البذاءة.
يتصدى أحمد عامر، مخرج «بلاش تبوسني» ومؤلفه، لهذه القضية بشجاعة وذكاء. فيلمه لا يحفل فقط بالقبلات القديمة في أشهر الأفلام المصرية، لكنه ينتهي بقبلة مطولة لبطلي الفيلم في شجاعة أيضاً من ياسمين رئيس، التي تشق لنفسها طريقاً مختلفاً للنجومية عن رفيقاتها الأكبر سناً.
وحتى يستطيع تمرير موضوعه الشائك، اعتمد أحمد عامر على الكوميديا، وعلى بناء سينمائي مركب وعبثي يخلو من «الإيهام». نشاهد عمليات تصوير متعثرة لفيلم داخل الفيلم، اسمه أيضاً «بلاش تبوسني»، وفيلماً وثائقياً آخر يجري إعداده عن القبلات في السينما المصرية. هذا البناء «الحلزوني» ليس جديداً على تاريخ السينما، ومن أشهر الأعمال التي اعتمدته فيلم 8½ (1963) لفلليني، لكنه يشهد رواجاً كبيراً وسط حركة السينما المستقلة في مصر الآن.

«صيف تجريبي»
التركيب في «صيف تجريبي» (2017 ـــ 30/5 ـ إخراج محمود لطفي الذي سيكون حاضراً في العرض البيروتي) أكثر تعقيداً وسوريالية: مجموعة من الشباب يصنعون أفلاماً مستقلة لا يشاهدها أحد، يؤدون أدوارهم الحقيقية كصناع أفلام، مثل محمد حماد، وعصام يوسف، ونوارة مراد، ومحمود لطفي نفسه. يبحثون عن فيلم وهمي ظهر في الثمانينيات ويعتبر بداية «السينما المستقلة» في مصر، فيعثرون على نسخ متعددة منه صنعها سينمائيون آخرون. لكنهم لا يعثرون على النسخة الأصلية. حتى عندما يعثرون عليها، لا يعرضونها. يدور الفيلم في قالب الوثائقي، لكنه ليس بوثائقي، بل من نوعية التقليد الساخر للوثائقي Mockumentary.
في «زهرة الصبار»، تسعى المخرجة والمؤلفة هالة القوصي إلى تقديم عمل «نسوي» اجتماعي


يكشف «صيف تجريبي» عن كثير من الأعراض التي تعانيها السينما المستقلة في مصر اليوم، مثل الحنين المزمن للماضي، وعدم وجود سردية كبرى، أو صغرى، وغياب مريب للحبكة والحكاية والشخصيات المكتملة، وانتشار الأنواع الفنية الهجينة، والارتجال ليس فقط في الحوار، بل أيضاً في حركة الكاميرا وزوايا التصوير والمونتاج، أو كما تقول بعض شخصيات «صيف تجريبي»: «السينما انتهت».
حتى عندما يقرر صناع السينما المستقلة أن يقدموا حكاية، تظل هذه الحكايات «غريبة»، مسطحة درامياً، بلا حبكة تقريباً، تعتمد أبنية سردية مفتوحة، مثل بناء الرحلة أو «فيلم الطريق» الأميركي، كما نجد في فيلمي «زهرة الصبار» و«علي، معزة وإبراهيم».

«زهرة الصبار»
في «زهرة الصبار» (2017 ـــ 9/5)، تسعى المخرجة والمؤلفة هالة القوصي إلى تقديم عمل «نسوي» اجتماعي من خلال خط قصصي يجمع ثلاث شخصيات: ممثلة شابة عزباء تعيش بمفردها في غابة القاهرة، وسيدة مسنّة كانت تنتمي إلى الطبقة الوسطى، ثم جار عليها الزمن، وشاب مراهق يحاول مساعدة الاثنتين بعد طردهما من غرفتيهما المتواضعتين فوق سطح إحدى البنايات. يذهبون في رحلة ـــ على طريقة أفلام الطريق ــ يُفترض أنها معادل موضوعي للرحلة الروحية والانتقال والتحول الذي يحدث للشخصيات. لكنها رحلة مرتجلة، مفتعلة، بلا هدف سوى استعراض بعض المواقف غير المترابطة، تعود منها الشخصيات كما بدأت.
تحاط الشخصية الرئيسية، عايدة (سلمى سامي) بشخصيات نمطية مستقاة من ميراث السينما المصرية التقليدية: الصديقة (فرح يوسف) التي تبيع عواطفها وجسدها للزواج من ثري عربي، الكاتب المشهور (زكي فطين عبد الوهاب) الذي يبحث معها عن علاقة جسدية فقط، ذكرى الأم التقليدية (عارفة عبد الرسول) التي ترفض تحرر ابنتها، الجارة العدوانية المظهر التي تخفي طيبة وأصلاً راقياً، في دور جيد لكن تقليدي لمنحة البطراوي، يعكس نغمة الحنين للماضي المألوفة. أبرز ما في الفيلم هو المشاهد السوريالية التي تعكس أحلام الشخصية الرئيسية ومشاعرها، وتكمن فيها مهارة صانعة الفيلم الفنانة التشكيلية، لكن على مستوى العناصر السينمائية الأساسية، من بناء سردي وحكاية ودراما وشخصيات وحوار، فنحن أمام عمل متواضع، هجين غير متناسق الأعضاء.

«علي، معزة وإبراهيم»
«علي، معزة وإبراهيم» (2016 ــــ 16/5 ـ إخراج شريف البنداري) هو العمل الأكثر «اكتمالاً» لناحية العناصر الأساسية لصناعة الأفلام الروائية: سيناريو محبوك (تأليف أحمد ماهر وإبراهيم بطوط) لعمل روائي تمثيلي، إنتاج متعدد الجنسيات بدعم من مؤسسات ومهرجانات عربية وأجنبية عديدة، على رأسها «فيلم كلينيك» لصاحبها محمد حفظي، أحد الأسماء البارزة في صناعة السينما المصرية، الذي يسعى بمفرده تقريباً، إلى العثور على معادلة وسط بين السينما المستقلة والسينما السائدة.
مثل الأعمال السابقة، ينتمي «علي، معزة وإبراهيم» إلى سينما المؤلف، فهو من توقيع المخرج شريف البنداري، صاحب العديد من الأعمال القصيرة، الذي يقدم نفسه هنا كصانع أفلام طويلة للمرة الأولى. هو يحاول العثور على معادلات وسط في كل شيء، فيعتمد على قالب الرحلة الذي نجده في «زهرة الصبار» وأعمال أخرى، كذلك يبرز الشخصيات الرئيسية المنبوذة اجتماعياً، على خلفية من الشخصيات والخطوط الدرامية العادية. يستعين ببعض ممثلي السينما السائدة، كأحمد مجدي وناهد السباعي وسلوى محمد علي، وآسر ياسين في دور قصير، مع بعض الممثلين الهواة وغير المعروفين. ومع أن الشخصيات الرئيسية غير مألوفة، مثل الشاب عاشق المعزة، والشاب الموهوب موسيقياً الذي يعاني نوبات عصبية تتحول خلالها الأصوات إلى كابوس سمعي، إلا أن المسار النهائي للأحداث، والحوارات المطولة، والتوجه «السياحي» للعديد من مشاهد الرحلة، كلها تصبّ في قالب السينما السائدة، من دون أن يمتلك الفيلم القدرة على مخاطبة جمهور السينما السائدة، أو حل المعادلة الصعبة بين صناعة سينما مختلفة والوصول إلى الجمهور العريض. رغم تفوقه التقني والإنتاجي، يبدو «علي، معزة وإبراهيم» مثل بقية رفاقه، تائهاً على مفترق طرق عند ماضٍ «جميل» ذهب إلى غير رجعة، وحاضر يعاني أزمة هوية ومستقبل مفتوح على المجهول. مستقبل هجين من الأنواع والأفكار، لا يقلّ غرابة عن التزاوج بين الإنسان… والمعزة!

* «أطيب التمنيات من مصر»: بدءاً من 2 أيار (مايو) ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/204080