لا أعرف كيف بدأت المسألة، مقالة تسربت الى «غوغل» يزعم صاحبها أنني تنصلت من قصيدة «مصرع علي شعيب»، ويرد ذلك من دون مناسبة إلى انحيازي للحريري. لقد قامت هكذا واقعة جريمة كاملة. ثم أسمع أن المقالة في ما يبدو، وهي في مركز يحمل على التوثيق، أخذت على أنها وثيقة لا يأتيها الريب وتدوولت على هذا الأساس، وعمت أو عممت، وتنوقلت حتى خرج هذا الكتاب عن علي شعيب ومرشد شبو. وحين كتب عنه أسعد أبو خليل وجد بالتأكيد الشائعة، فنقلها في مقالته في «الأخبار»، فقال إني كتبت قصيدة جميلة عن مصرع علي شعيب، «لكنه (أي أنا) تنصل منها حين تحوّل». المسألة إذاً هي «تحوّلي» الذي ردّه كاتب مقالة «غوغل» إلى حريرية لا أعرف من أين جلبها. إذا كانت في مرثية للحريري عقب مصرعه، فقد كانت هذه الواقعة زلزلت البلد، فلا عجب إن كتب صحافي مثلي فيها، وأي صلة ومن أي نوع بين هذه وتلك؟ وكيف تعتبر الثانية تنصلاً من الأولى؟ جهاد أيوب، صاحب الكتاب عن الحركة الثورية وشعيب وشبو، كرّر الزعم في «تلفزيون لبنان».

لقد قامت قضية من توجسات وبيت القصيد هو ما يسمى تحولي، وكأن قائل هذه الكلمة وكاتبها يعني«خيانتي» أو تراجعي. فالقضية هي هذا التحول، والمقصود هو هذا التحول، والشائعة هي الغبار الذي يغطي ما ليس سوى تشهير سياسي. إنه فقط مستند لهذا التشهير، والمسألة هي هنا ولو اتخذت شكلاً آخر. التحول في نهاية الشائعة هو الردة، إن لم يكن الخيانة.

لقد تعاملوا مع قصيدة «مصرع علي شعيب» على أنها لم تعد سوى دليل خيانتي


هذا منطق بلدي لا يقيم اعتباراً لتحولات المثقّف، ويردّها دائماً إلى الردة والخيانة. الشائعة على هذا ليست سوى محاكمة مواربة لما اعتبر ارتدادي. لقد حوكم ما اعتُبر هكذا تحت هذا الغطاء. وجدنا فجأة من يتتابعون على هذه التهمة، وبالطبع من دون سؤالي، ومن دون استشارتي على الأقل، وقراءة الصفحة التي نشرتها في الفايسبوك حول هذا الموضوع. لقد تعاملوا مع القصيدة على أنها لم تعد سوى دليل خيانتي. هكذا تتابعوا عليها من دون سؤالي، ففي هذا النوع من السجالات لا مانع من الافتراء، والافتراء يدمغ الواقعة فوراً، ويبدو أن الامر يستحق ولا حاجة لأي تحقيق وسؤال. وحين يرفض الآخر التهمة تكون من زمن قد دمغته وسيتعب من دون أن ينجح في رفعها عنه، إنّه منطق الافتراء الذي يسم المحاكمات السياسية كلها. يريدون أن ينفذوا من هذه الواقعة إلى إدانة سياسية، لكنهم لا يعلمون أن ما هو ابن التلفيق لا يبدو دائماً مطابقاً. ماذا لو قلت إنني لم أتنصّل من قصيدة علي شعيب، وإنها شيء لا يُتَنصّل منه، فستبقى تحمل اسمي، وستبقى من تأليفي، ولا أستطيع أن أتنصل منها. هم الذين يريدونني أن أتنصل منها، ويظنونها لا تناسبني اليوم. ثم عاد بعضهم إلى حوار أجرته معي «الحياة» قبل سنوات، ورأوا فيه ما يعدّونه رِدّةً وتنصلاً. لقد جاء في حديثي المذكور ما يصل «الإرهاب» بالمهانة الجنوبية وكرامة الجنوب. ما هو التنصل إن كان الجواب هكذا؟
لم أتنصل من قصيدة ولم أندم عليها. لقد كانت غناء ولم تكن تعليقاً. إنّها شغف وغناء ومشاركة، ومثل هذه الأشياء لا يتنصل منها. مثلها ليس هتافاً ولا شعاراً، إنها نفث شعور لم يصدر عن تعليق سياسي، وليست تصويتاً ولا اقتراعاً ولا مبايعة سياسية. إنها شعر، وعليها أن تكون أولاً شعراً، وأن تُحاكم كقصيدة. عند ذلك ستكون في تاريخي كشاعر، وستكون في مساري وسيرتي كشاعر. ولم أندم على القصيدة، ولا أندم أيضاً على ماضيّ السياسي الذي كانت القصيدة من آثاره. لا أندم على قصيدة قاسمني إحساسي بها أصدقاء ومثقفون وأهلُ شعر. القصيدة لي، وكنت أتمنى لو أعيد نشرُها هنا. وماضيّ لي ولست خجولاً بالاثنين. هذا الماضي ليس شخصياً، إنّه بمعنى ما تاريخي. إنه في مسار المثقفين اللبنانيين، ولم يكن استقطابه لهم عبثاً ولا خفّة ولا حماقة. لقد كنا بمعنى من المعاني أبناء يومنا وتاريخنا، وكنا من الغالب في طليعتهما. ثم أن تغيير الأفكار والتحول يُعتبَر، للعقل الأصولي، تخلياً ونكثاً، فيما التحول والتغير سنّة وطبع وحريّة، واعتبارهما ارتداداً ليس مما يراعي الفكر والعمل الفكري. والتحولات التي يستنكرها أسعد أبو خليل، أو جهاد أيوب، هي بالتأكيد عمل ثقافي، بل جزء من الثقافة نفسها. نتحول كما تقضي الحياة، لكننا لا نفتري ولا نكذب ولا نلفق، ولا نتعصب لشيء. وبطبيعة الحال نبقى كما كنا أمناء لإنجازاتنا ولردودنا محاولين أن نجد الصواب، وأن نفعل ما يتراءى صواباً. لقد كتبت «مصرع علي شعيب» وقُرئت بمشاعر لا يمكن إلغاؤها. ولا أشك في أن صداها الأخلاقي والإنساني لا يزال متردداً.