‬‫عندما قادتني قدماي لتلبية الدعوة التي وجهت لي لحضور الفيلم الوثائقي (شريط «شعور أكبر من الحب» لماري جرمانوس سابا)، عن أحداث معامل غندور عام 1972، عادت بي الذاكرة وثنايا الأحلام الماضية إلى ذاكرة مشتركة تقاسمناها مع رفاق، وأصدقاء وعمال وعاملات، وإلى شهداء وجرحى ومعتقلين... وتظاهرات وشعارات قل نظيرها حتى كتابة هذه الكلمات. يومها، كان للأحزاب الوطنية دورها البارز ورمز قياداتها الشهيد كمال جنبلاط الذي مشى متكئاً على عصاه آنذاك على رأس تظاهرة حاشدة من ساحة الشهداء إلى موقع تمثال بشارة الخوري.‬

‫ولأن تاريخ الشهداء وحده قابل للكتابة، وما يليه من تاريخ يصادر من قبل الأحياء، قررتُ أن اكتب قليلاً لأضيء من الذكرى على الذاكرة عطراً هو عطر الوطن لأن القلم هو الأكثر بوحاً، والاكثر جرحاً. تاريخ لا بد من أن يروى لجيل لم يعرف الحقائق كاملة، لكنه أمر طبيعي أن يصل إلى النتائج لأن هناك محطات لا تخطئ ووقائع يستحيل تزويرها لأنها بُصمت بدماء الشهداء وأسمائهم غير قابلة للنسيان.‬

مشى كمال جنبلاط على رأس تظاهرة من ساحة الشهداء إلى بشارة الخوري


‫ من الذاكرة ومن إعادة كتابة التاريخ ومن الجهد والمعاناة، كانت ولادة «شعور أكبر من الحب»، فكان السبق وكانت الإضاءة وكانت الصورة على محطة تاريخية من عمر هذا الوطن ومناضليه الذين مضى أغلبهم وتركوا بصماتها تاريخاً ترثه الأجيال.‬
‫إلى القارئ الكريم، إلى كل من شاهد هذا الفيلم الوثائقي، وكل من يرغب بمشاهدته... بعدما شاهدت الفيلم ووقفت أمام فُتات الذاكرة، شعرت بالمرارة، واللذة معاً: المرارة أنني لم التقِ منذ 45 عاماً من عمر الحدث بالرفاق أو الأصدقاء والصديقات والمناضلين والمناضلات الذين شاركوا وكان لهم دورهم في هذا المفترق، وتحديداً بعض أعضاء هيئة اللجنة التي تشكلت أثناء الحدث وكنت رئيسها حينذاك. فعدم وجودهم كان يحرجني بقدر ما أحزنني. من جهة ثانية، كان سروري وفرحي بالوجوه الكريمة التي أسعدني حضورها لأنهم تحمل الآمال والأحلام والمشاعر والهموم؛ فكل الشكر لمن أسهم بحضوره وللذين سيحضرون هذا الفيلم.‬
‫وأقدم اعتذاري للمشاهد أولاً وللقارئ ثانياً لأنني لم أتعرض لأحداث الفيلم بما تم عرضه ولم أتحدث عن شيء لأَضيف تفاصيل رافقت الحدث ولم أذكر أي اسم حفاظاً على عدم تشويه العرض لأنني أقدر عالياً ما بذلته المخرجة من جهد وعناء، واحتراماً لرفاق وأصدقاء وصديقات رفضوا وقاطعوا المشاركة أثناء إعداد الفيلم وتصويره لأسباب تحيط بهم، وإدراكاً مني بأن صاحبة الفيلم ومخرجته لها كامل حقوقها بعد الجهود الكبيرة التي بذلتها على مدار ثمانية أعوام وكانت السباقة لإحياء هذا الحدث.‬
‫لكل من ساهم وتعاون وشارك وأوصل وأعان المخرجة كي تصل إلى الخاتمة وعرض الفيلم، كل الشكر على ما قدمه من معلومات.‬ وتبقى الكلمة الأخيرة، هي الشكر والتقدير للمخرجة والصديقة ماري جرمانوس وشقيقتها الدكتورة لارا جرمانوس.‬
‫* رئيس لجنة الإضراب في «معامل غندور»‬ عام ١٩٧٢‬
«شعور أكبر من الحب» لماري جرمانوس سابا: حتى 5 أيار (مايو) ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/204080