لندن | تجربة السينمائي البرازيلي في تقديم قراءة هادئة لحادثة خطف رحلة «فرانس إير 139» إلى مطار العاصمة الأوغنديّة بعد أربعين عاماً من حدوثها، بدت باهتة وخالية من الدّسم، لا سيّما لناحية طرح وجه نظر الأبطال الحقيقيين للعمليّة. مع ذلك، تسبّب الشريط الجديد في إغضاب بنيامين نتنياهو وجوقة اليمين الصهيوني لمناقضتها بعض تفاصيل السردية الإسرائيليّة عن العمليّة.

دانييل برول وروزموند بايك في «سبعة أيّام في عنتيبي»

لم يكن تكليف خوزيه باديلا (1967) بإخراج فيلم جديد عن عمليّة عنتيبي أمراً متسرعاً أبداً. صانع الأفلام البرازيلي الموهوب تحوّل إلى «خبير» في إدارة سرديّات التاريخ المعاصر، لا سيّما بعد عمله على سلسلة «ناركوز» التي قدّم فيها سيرة تاجر المخدرات الكولومبي بابلو أسكوبار كما تحب المخابرات المركزيّة الأميركية لنا أن نراها، إلى جانب الشريط الوثائقي الذي أنجزه عن حادثة خطف الحافلة رقم 174 في البرازيل. وهو لا شك كان يدرك أي حقل ألغام سيمضي إليه، عندما حاول أن يقرأ عمليّة تحرير رهائن الطائرة الفرنسيّة المخطوفة إلى عنتيبي عام 1976 التي تعتبر في السرديّة الإسرائيليّة كإحدى الأساطير المقدّسة عن «بطولات» الجيش الإسرائيلي «الخارق». لذا، فهو اختار مبكراً أن يتشبع بوجهة النظر الإسرائيليّة عن الحادث، وانتقل من أجل ذلك إلى تل أبيب ليستمع لشهادات عددٍ كبيرٍ من الجنود والضباط والمخطوفين والمؤرخين الإسرائيليين. كما عيّن الضابط المتقاعد أمير عوفير – أحد المشاركين في الغارة الإسرائيليّة على المطار الأوغندي – كمستشار تقني للفيلم.
أراد باديلا أن يعرض قراءة أكثر هدوءاً للحدث بعد مرور 40 عاماً على وقوعه، أقلّه مقارنة بتلك الروايات المتسرعة التي قدمتها ثلاثة أفلام سابقة أنجزها أميركيون وإسرائيليّون بعد وقت قصير من انتهاء العمليّة. لم يكن بالطبع ممكناً ولأسباب مفهومة له أن يقدّم وجهة نظر خاطفي الطائرة، ولا حتى الطرف الثالث، أي الرّهائن. ولذا، فقد تحمس للاستماع إلى شاؤول ديفيد الذي كان يكتب تأريخاً (إسرائيلياً) جديداً أقل انفعالاً عن العمليّة، وقد نشر لاحقاً في كتاب «عمليّة الصاعقة: الرحلة 139 والغارة على عنتيبي».
يُعتقد أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي علم باجتماعات باديلا مع ديفيد، فحاول بذل جهود مع أطراف عديدة لثنيه عن تبني سردية هذا المؤرخ تحديداً. عندها، أدرك باديلا أنه عثر على منجم ذهب كان يبحث عنه: رواية اسرائيلّية أخرى للحادثة نفسها تعفيه من تهمة معاداة إسرائيل، لكنها في الوقت عينه تقدّم جديداً مقارنة بالأعمال السابقة. وهكذا كان.
الفيلم (في 107 دقائق) الذي عرض للمرة الأولى ضمن «مهرجان برلين السينمائي» الأخير قبل أشهر، يقدم قصّته عبر ثلاثة خطوط سرد درامي متوازية خلال سبعة أيّام مع تحييد مقصود لجرعة العنف: خط محوره الخاطفان الألمانيان، وآخر يتمحور حول الصراع السياسي بشأن العمليّة داخل الحكومة الإسرائيلية، والثالث يقدّم وجهة نظر القوة العسكريّة الإسرائيليّة المشاركة في الغارة على المطار. تتظافر هذه الخطوط الثلاثة لتبني التشويق الذي كان متوقعاً قبل وصول العمليّة إلى خواتيمها، لكنها أساساً استهدفت التغييب التام لدور الجانب الفلسطيني في العمليّة مع تحويل شخصية الرئيس الأوغندي حينها - عيدي أمين المتعاطف مع الفلسطينيين لكن الساعي إلى تحقيق نهاية سلميّة للحادثة - إلى مجرد كاريكاتور بائس. لا تفلح مقاطع الرقص الإسرائيلي المقحمة بين فواصل الأيّام السبعة في تعويض هذا الضعف البنيوي، لا سيّما أن رابطها الوحيد بالحدث كان عشيقة متخيلّة لشخصيّة الجندي الإسرائيلي ــ المتخيلة بدورها ـ التي كلفها باديلا بتقديم وجهة نظر القوة الإسرائيليّة المشاركة في الغارة، وقد قال لها قبل أن يغادر: «أنا أقاتل كي يمكن لك أن ترقصي»!
الماركسيّان الألمانيان المنتميان إلى منظمة «بادر مينهوف» اليساريّة الألمانيّة (ويلفريد بوزي الذي يلعب دوره دانييل برول، وبريجيت كولمان التي تلعب دورها روزموند بايك) يقدّمان في الشريط بوصفهما البطلين المطلقين للعمليّة من جانب الخاطفين، بينما لا نكاد نسمع شيئاً عن الفلسطينيين الذين يستدعيهم باديلا إما لإثارة الفوضى أو للنطق بالعنجهيات لا أكثر. نرى الألمانيين دائماً كبشرٍ أوقعتهم مثاليتهم في مسألة حرجة تورطوا فيها، لكن ضمائرهم تعذبهم، فيظهرون ذلك في حوارات فلسفيّة مطولة مع الرّهائن أو بتعاطي الحبوب المهدئة والتوتر الظاهر. شخصية ويلفريد تحديداً أثارت احتجاجات جمعيات صهيونيّة على الفيلم بوصفه يقدّم ممثلاً وسيماً، ومثقفاً ذا ضمير للعب دور خاطف «تجرأ» على دولة إسرائيل، لكن الحقيقة أن الوسامة ليست مشكلة تلك الجمعيات بقدر ما هي غلبة الجانب المثالي على مواقف ويلفريد ورفضه إيذاء المخطوفين.


الدّراما الأهم وفق باديلا كانت تحدث في تل أبيب لا في عنتيبي. هناك، كانت تجري أحداث صراع سياسي منهك بين رئيس الوزراء إسحق رابين الذي يريد إنهاء أزمة الاختطاف بلا ضحايا، ووزير الدفاع شمعون بيريز الذي يريد عمليّة عسكريّة خاطفة لتحرير الرّهائن. كلاهما يأخذ بتلك المقاربات المتناقضة عبر حوارات سفسطائيّة متطاولة لا حرصاً منهما على الأرواح بقدر ما هو تعبير عن مواقف سياسيّة تنافسيّة وتسابق في لعب أدوار البطولة أمام الرأي العام الإسرائيلي (وقتها كان رابين قد تواصل مع أنور السادات وياسر عرفات اللذين أوفدا مندوبين عنهما إلى عنتيبي في محاولة للتوسط. لكن تعليمات وديع حداد العقل المدبّر للعمليّة كانت واضحة بعدم التعاطي مع هؤلاء التّجار).
قوّة الكوماندوس الإسرائيليّة التي تعدّ للهجوم، تقدّم في الشريط كما هو متوقع، في ثوب الآلهة الشجاعة التي تترك كل مشاغلها الأرضيّة لتلبي نداء الواجب «القومي» وإنقاذ شرف إسرائيل من أن يلوثه هؤلاء الخاطفون «الإرهابيون». لكن لحظة تنفيذ القوّة لهجومها على مبنى المطار - حيث نُقل الرّهائن - هي ما أغضب نتنياهو من الفيلم. بحسب الرّواية الإسرائيليّة الرسميّة، فإن شقيق نتنياهو الأكبر – يوناتان - كان «البطل» الذي قاد العمليّة، حريصاً على جنوده ومتقدماً صفوفهم في القتال الذي استمر نصف ساعة قبل أن يسقط برصاص أحد مقاتلي مكتب العمليّات الخارجيّة في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. رواية عاد على أساسها نتنياهو من الولايات المتحدة حيث كان يعمل ليتفرّغ للعمل السياسي ولينجح ــــ مستفيداً من تعاطف الإسرائيليين مع كونه شقيق «الشهيد القائد» ـــ في الوصول إلى منصب رئيس الوزراء. لكن باديلا في هذه التفصيلة يعتمد وجهة نظر شاؤول ديفيد النقيضة التي تقول إن يوناتان تسرع في اللحظات الأولى لبدء الهجوم بأن أطلق النار على حرّاس بوابة أوغنديين، مما جلب انتباه قوة الجيش الأوغندي المرابطة في المطار، فردّت بكثافة وأردته قتيلاً قبل وصول القوة المهاجمة إلى المبنى. أمر كاد - وفق ديفيد - بأن يتسبب في تحويل العمليّة إلى مقتلة تامة للجنود والرّهائن على حد سواء.
النّقاد عموماً أشادوا بالمحاولة «الشّجاعة» لباديلا في تقديم قراءة مغايرة لحدثٍ شغل العالم صيف 1976 في حدود الممكن للسقف الإسرائيلي – الأميركي بشأن ما يمكن عرضه على الشاشة الكبيرة. هم تحدثوا عن دروس أخلاقيّة يلقيها المخرج في شريطه بشأن الأفق المغلق للعلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن لا تكاد تجد منهم أحداً يرى أن تلك المحاولة نجحت على الصعيد الدرامي ـ التقني من دون التجرؤ على ذكر أن حقيقة الحادثة التاريخيّة لم تروَ بعد. وربما لن تروى لأن لا أحد يريد أن يتحدّث عن الشخصيات الأهم في تلك الحلقة من الصراع المستمر أي وديع حداد ورجاله، بينما يتسابق الجميع غرباً وشرقاً على خطب ود الكيان العبري والاحتفال بأساطيره. لقد نفّذت هذه الثلة من المغامرين العرب الشجعان ورفاقهم الألمان، عمليّة مخططة بدّقة وفي غاية الجرأة عبر المجال الدّولي.
الحضور الفلسطيني في الشريط اقتصر على إثارة الفوضى أو النطق بالعنجهيات

قدموا سلوكاً متحضراً في التفاوض وإدارة الرّهائن والعلاقات الدوليّة، وكانوا يريدون إطلاق سراح رفاقهم في السجون الإسرائيليّة من دون إراقة دماء. لم يكن الهجوم الإسرائيلي لينجح أبداً لو أن الرئيس الأوغندي عيدي أمين استمع لتوسلات حداد في حماية أمن المطار بالطريقة اللازمة أو بعدم مغادرة البلاد لإلقاء كلمة في مؤتمر منظمة الوحدة الأفريقيّة، لا سيّما أن هناك عدداً من العملاء الإسرائيليين اخترقوا الدولة الأوغندية ومنهم وزراء. وكان يمكن لسبعة خاطفين أن ينهوا حياة معظم الرّهائن خلال مرحلة إطلاق النار، لكنهم امتنعوا عن ذلك لأسباب أخلاقيّة واكتفوا بإطلاق النار باتجاه القوّة المهاجمة. علماً بأنهم أطلقوا سراح كل من هو غير إسرائيلي، من ضمنهم يهود أوروبيون خدموا في الجيش الإسرائيلي، ورهينة ادعت الحمل وأخرى تظاهرت بابتلاع عظمة دجاجة أوغنديّة. هكذا، تحول هؤلاء إلى مصادر معلومات ممتازة عن تسليح الخاطفين ومواقعهم، إلى جانب شركة الإنشاءات التي بنت المطار ويمتلكها أصدقاء لإسرائيل، فوفرت الخرائط اللّازمة. وللتاريخ أيضاً، فإن الرادارات العربيّة في مصر والسعوديّة والسودان، أغمضت عينها عن سرب من ستّ طائرات نقل عسكري اسرائيليّة ضخمة أقلعت من مطار شرم الشيخ وراحت تحلق نحو شرق إفريقيا لساعات عدة، قبل أن تتوجه إلى كينيا. والأخيرة، وفرت الدّعم اللوجستي لها، وقبل أن تُقدم القوّات الأميركيّة على قطع الاتصالات بمطار عنيتبي تحضيراً لنزول الإسرائيليين إلى المطار الذين لم تتعرض طائراتهم لأي نيران دفاعات أرضيّة أوغنديّة لغياب التعليمات من القيادة. تلك كلها أمور يعلم بها باديلا بالطبع، لكنّه يكتفي بسرد سيرة السبعة أيّام العصيبة عبر سلسلة لوحات راقصة لا تمس إلا أطراف الحقيقة. ومن يلومه؟