«وعدْنا بتجديد القاعة الزجاجيّة لوزارة السياحة، وسنفعل» أكدت ليلى الصلح، معتذرة على التأخير في بدء الأشغال. معاليها معذورة، فالعطل التقني في «مؤسسة الوليد بن طلال الانسانيّة» منذ هبّت رياح البريسترويكا على مملكة الخير، لا تخفى على أحد. نحن في المؤتمر الصحافي للاعلان عن «مهرجانات بعلبك الدوليّة» 2018. الديكور مختلف في الفندق البيروتي، لكنّ المشهد نفسه، مع تبديلات في الكاستينغ. لم يأت وزير الثقافة، لكنّه أرسل لتمثيله السيدة لين طحيني الطالعة مباشرة من مجلّة «مدام فيغارو». وهي تملك نظرة بريئة إلى المشهد الثقافي اللبناني كما بدا من خطابها: «نحن متحدون لنبرز أجمل صورة عن لبنان… ونحيي «سمود» المهرجان بوجه المصاعب».

واستمتعنا بمداخلة وزير السياحة أفيديس كيدانيان «المعروف بصراحته» كما يصف نفسه. أوشك ألا يأتي بسبب الانتخابات، كما باح لنا، فهو لا يريد أن يستغل بعلبك كمناسبة ترويجية. كويّس أن مدام دو فريج ألحّت عليه، ماذا كنا سنفعل بلاه؟ اكتشفنا أن علاقة وزير السياحة بـ «مهرجانات بعلبك» بقيت أفلاطونية طوال ستين عاماً. أوّل مرّة يحضر أمسيات بعلبك كانت الصيف الماضي. في حياة كل منا، هناك دائماً «مرّة أولى». حلوة «الصراحة» معالي الوزير، بس مش هالقد! بدأ كيدانيان كلمته بـ «تحيّة إلى جورجيت خبّاز، عفواً جورج خبّاز».
رئيس بلديّة بعلبك العميد حسين لقّيس تحدّث عن عمليات ترميم أعمدة الهيكل المعرّضة للخطر، بإشراف الطليان والأونيسكو ومجلس الانماء والاعمار ومديرية الآثار ووزارة الثقافة. بعبارة أخرى كنّا على وشك أن نفقد أعمدة بعلبك. وتحدث عن المدينة التي ستستقبل زوارها بحلّة جديدة، وخطة سير جديدة، بعدما انتهت الأشغال. وقال إن الأمن بات مستتباً بعد دحر التكفيريين عن حدودنا.
كالعادة، الكرنفال الخطابي في المؤتمر يستغرق أكثر الوقت، ولا يبقى إلا الفتات لتقديم الفنانين والعروض. حتّى أن رئيسة لجنة المهرجانات نايلة دو فريج التي بدأت بـ «نشكر الراعيون والصحافيون»، كادت تنسى في الختام لقطات الفيديو عن عروض البرنامج الذي يتمدّ بين 8 تموز و18 آب.
«بعلبك» ستتذكر أم كلثوم التي احضنتها ثلاث مرّات. صوتان من مصر سيستحضران «الست» على أدراج باخوس. مي فاروق يعرفها الجمهور، ومروة ناجي سيكتشفها، ترافقهما «الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق ــــ عربية» بقيادة المايسترو هشام جبر (20/ 7). أما جاهدة وهبة، فستطل بحلّة جديدة لم نعهدها من قبل. هذه المرّة يأتي التراث مطعّماً بسلطنة من نوع آخر، فالموسيقي إيلي معلوف الذي يرافقها على البيانو سيتولّى مد الجسور بين الطرب والجاز (17/ 8). وهناك موعد مع ماتيو شديد ابن لوي شديد المنحدر من تقاليد أغنية المؤلف في فرنسا. والد ماتيو، مولود في الاسماعيليّة من عالم بيولوجيا مصري ـــ لبناني كان صديق تريستان تزارا وبيكاسو، وأمه الروائية والشاعرة المعروفة أندريه شديد (1921 ــــ 2011). وسيوجّه لها الحفيد تحيّة من لبنان الذي كرّست له بعض أجمل كتاباتها (4 / 8). أما عازف الغيتار والمؤلّف والمغنّي الأميركي بن هاربر، فسيأتي إلى بعلبك مع فرقة The Innocent Criminals ليقدّم برنامجاً خصباً يلتقي فيه البلوز والفانك والروك والسول والريغي (17/ 8).
وقد قرّر جورج خبّاز تحويل مسرحيته «إلا إذا» إلى كوميديا موسيقيّة «مع أكثر من سبعين ممثلاً وعازفاً وراقصاً». يحكي العمل الذي يسمّيه «كوميديا سوداء»، عن عمارة منهارة هي لبنان، وعبثية محاولات الانقاذ، وقد حقق نجاحاً شعبياً في بيروت. فماذا عن النسخة الاستعراضيّة؟ (10 و11/ 8). المحطة الكلاسيكية الوحيدة ربّما في لبنان، ستكون مع «ستابات ماتر» لجواكينو روسيني (27/ 7). المشروع بدعم السفارة الايطالية، وبقيادة الاب توفيق معتوق، يصمّ كورس جامعة الانطونية وجامعة سيد اللويزة، وأوركسترا الحجرة في الاذاعة الرومانية، بمشاركة: جويس الخوري (سوبرانو)، دانييلا بارسيلونا (متزو)، باولو فانالي (تينور)، كريستوف باتشيك (باص). يبقى أن نشير إلى الأمسية الافتتاحيّة (8/ 7) التي يحييها خالد مزنّر على البيانو، مع فرقة تؤدي مؤلفاته، على مشاهد من فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» المشارك بعد أيّام في «مهرجان كان». إنّها أمسية خيرية لجمع المساعدات من أجل استمرار المهرجان في هذه الأزمنة الصعبة.
استعادت دو فريج اللازمة: «تراجع الدعم وارتفاع الضرائب». من الواضح أن المهرجانات الكبرى في لبنان معرّضة لموت بطيء. البرامج ضاق أفقها، وضمرت عالميتها، وندرت فيها الخيارات الأولى. الجميع يعتمد على حواضر البيت، وعلى الرعاية الخاصة، وعلى دعم السفارات. كل شيء يشير إلى أن الإنهيار سيتواصل، إن لم تضع الدولة سياسة دعم واعفاءات، تبعاً لمعايير واضحة، مشروطة بالمراقبة والمحاسبة. ليس هذا ما يشي به وزير سياحتنا الذي بدأ بالاعتذار عن تراجع المساعدات: «جبرونا على Minus twenty percent». لكنّه وعد رئيسة اللجنة بتسديد متأخرات العام الماضي قبل مغادرة الوزارة. ثم استدرك: «آه، بعد ما قبضتوا الـ 2016؟ وزارة الثقافة دفعت؟». «مساهمتها صغيرة»، أجابت صاحبة المناسبة. «آآآه ما بيدفعوا متلنا 750 مليوووون!». نستطيع القول إن معاليه بقي متجليّاً حتى اللحظات الأخيرة!