قبل الانتخابات النيابية المنتظرة في لبنان، ألصقت إليان توما «تداخلاتها» في شوارع بيروت. يأتي العنوان من التدخلات الفنية (Interventions) كتعليق على الأحداث السياسية، ومن التقنية التي اعتمدتها «الفنانة البصرية» اللبنانية في مشروعها الجديد الذي يعرض في «دار المصوّر» (الورديّة ــ بيروت) حتى مساء غدٍ الجمعة. في المشروع صور وبورتريهات فوتوغرافية متحرّكة (أنيميشن) استلهمتها من الواقع السياسي في لبنان، متمثّلاً بظاهرة التوريث العائلي منذ ما بعد الاستقلال حتى اليوم. أكثر من أربعين عائلة تواصل تناسلها السياسي الطائفي كما أشارت إحصائية نشرت أخيراً. اختارت توما منها تسعاً معروفة ومتجذّرة في التاريخ اللبناني، مثل الجميّل وكرامي، وأخرى حديثة بدأت تفرض نفسها خلال الحرب وبعدها مثل الحريري. تجد لهذه الظاهرة اللبنانية روابط مع أسئلة نظرية فوتوغرافية كثيرة، وخصوصاً أنّ ثلاثة أرباع الانتخابات النيابية عبارة عن ظاهرة بصرية تنتشر فيها صور المرشّحين على الطرقات والجدران. في الأنيميشن، اختارت ثلاثة وجوه لثلاثة أجيال من العائلة نفسها مثل كمال ووليد وتيمور جنبلاط. وضعتها فوق بعضها رقمياً بطريقة شفافة تظهر ملامح الصورة التي قبلها. ستتحوّل الصورة وتتبدّل على مدى دقيقة في كل فيديو لتختلط ملامح الشخصيات ثم تتسمّر في النهاية على كائن مسخ. تعادل هذه الوجوه العالقة في وجه واحد، ثلاث حقبات زمنية من التاريخ اللبناني الحديث: ما قبل الحرب، خلالها، وما بعدها. وبهذا، تتخطّى اللحظة الواحدة للصورة لتطال طبقات عدّة من الزمن.


تقول إليان إنّ هذا الخلط والتداخل استعارة لذاكرتنا المشتتة والملتبسة المصابة بالنسيان، التي تجعل الرؤية مضطربة كما في بورتريهاتها، بحيث تختلط الحقيقة مع الوهم، وما نعرفه ورأيناه وقد صار بشكل آخر. يعدّ الوقت ركيزة أساسية في هذا التدخل الفني. وفي جمعها الفترات في لقطة نهائية واحدة تشكيك بقدرة الزمن على إحداث تغيير في النظام السياسي القائم خلال كل هذه السنوات. ربّما هناك ما تبدّل بعد الحرب، إذ ظهرت أشكال جديدة من السلطة تتجاوز التوريث العائلي والإقطاعي، أي رجال أعمال ومصرفيين جدد كشف عنهم فوّاز طرابلسي بالأسماء في كتابه «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان». يكمل الجزء الثاني من المعرض ما بدأته توما في الأنيميشن. طبعت النتائج البصرية النهائية لكل فيديو بأحجام البوسترات الانتخابية ووزعتها على بعض جدران بيروت في شقيها الغربي والشرقي. يكتمل المشروع مع هذا الجزء. في «دار المصوّر»، نرى الصور التي تظهر بوسترات توما الهجينة، معلّقة بجوار صور المرشحين وفوقها. البوسترات التي هي عبارة عن طبقات متداخلة أساساً، تضاف إلى التراكمات البصرية على الجدران الحالية من صور مرشّحين آخرين وإعلانات تجارية... في جولة على الأماكن التي وُزّعت فيها صورها، وجدت إليان أن بعض المارة لم يتنبهوا إلى هذه الصور في الشارع، فيما استوقفت آخرين، وفي بعض الأحيان أخفيت بملصقات انتخابية أخرى. وبهذا، تلتقي مع فكرة مشروعها في النهاية. تخبرنا توما أنّ عملها جاء نتيجة بحثها في التدخّلات الفنية بين الحربَيْن العالميتَيْن، وتحديداً الحركة الدادائية التي جاءت أعمال فنانيها كتدخّلات واعتراض على الحرب والقتل والأحداث السياسية. هكذا عبّروا عن سخطهم بالتجهيزات والكولاجات الفنية. من جهتها، تستخدم «الفنانة البصرية» مصطلح «كولاجات رقمية» التي لجأت إليها بالتزامن مع «طفرة الصور الرقمية التي تتلاعب بالأعين على كل الوسائل، بطريقة تخلط بين دور الناشر والمصوّر والمحرر»، كما تضيف.

* «تداخلات» لإليان توما: 3 و4 أيّار (مايو) الحالي ــ من الساعة السادسة حتى الثامنة مساءً ــ «دار المصوّر» (الوردية ــ الحمرا). للاستعلام: 01/373347