لا يضيع الكاتب السوري فتح الله عمر الوقت أبداً، هو الذي يرى أنَّ العمر قصير فعلاً، وأنَّ المرء لديه دائماً ما يقوله لمن يحبّهم بأكثر طريقة يحبّها: الكتابة. الرجل الذي نال عام 2002 شهادة الدكتوراه في هندسة الاتصالات كان قد انصرف منذ عام 1993 إلى الكتابة، متأثراً بالصعود الذي عاشته الدراما السّوريَّة في تلك الفترة. وبين مسلسلين، يجد وقتاً كافياً لكتابة رواية، وهو متمكن من أدواته، يتقن جيّداً لعبة المقام والمقال، فلا يسمح لشخصيّته الروائيَّة بالظهور في مسلسلاته أو العكس، ويعرف أيضاً كيف يقدّم الفائدة والإمتاع للقارئ، وللمشاهد، في القالب الذي يناسب كلاً منهما.

ابن اللاذقيّة لم يغادر سوريا منذ عام 2011، إلا بشكل متقطع ولأوقات قصيرة جدّاً فرضتها ضرورات العمل. يجد أنَّ المكان الطبيعيّ للمبدع وقت الأزمات هو في وطنه. موقفه المبدئيّ من العلاقة بالوطن والصراع مع العدوّ، ليس خافياً على أحد، وإن كان ينأى بنصوصه ما أمكن عن الوعظ والخطابة ودروس التاريخ والتربية الوطنيَّة. وقد كان موقفه هذا سبباً في وصوله إلى المشاهد اللبنانيّ من باب «دراما المقاومة».
يعترف كثيرون بأنَّ الدراما اللبنانيَّة التي عرفت ومضات كثيرة وخيبات أكثر، اختطت لنفسها درباً جديداً مع «الغالبون» الذي أنتجه «مركز بيروت الدولي للإنتاج الفني» وعرضته «المنار» في عام 2011. وإذا كان السَّخاء الإنتاجيّ أحد أسباب نجاح «الغالبون» حيث فشل الآخرون، فإن النصّ المتماسك والمشوّق والمصنوع بشغف كان له الدور الأكبر. قضى فترة طويلة في الجنوب قبل إنجاز العمل تعرَّف فيها إلى سيرة الشهيدين رضا حريري وعلي بدوي عن قرب. بعدها، خرج علينا بشخصيتَي رضا (يوسف حدَّاد)، وعلي بلال (طوني عيسى) التي أحبَّها المشاهدون وتفاعلوا معها إلى حدّ يمكن معه القول بأنَّ هذا الدور كان بوّابة طوني عيسى إلى النجوميَّة. كان على فتح الله عمر ــ المستعجل دوماً ــ أن ينتظر سنة كاملة قبل أن يستطيع الخروج من أجواء «الغالبون»!
يؤسفه أن يزعم أحد كتّاب السيناريو اللبنانيين أخيراً في حوار صحافيّ أنَّه «صحَّح» نصَّاً له، فيما اقتصر دور الأخير على معالجة الحوارات باللهجة اللبنانيَّة التي لم يكن صاحب «لستُ جارية» يتقنها جيداً بعد.

مشاركة أحمد الزين، مجدي مشموشي، عمار شلق، فيفيان أنطونيوس ومازن معضّم...


يرى كاتب «الشتات» أنَّ إنجازات المقاومة في المجالين العسكريّ والأمنيّ كان ينبغي أن تتمظهر أدبيَّاً وفنيَّاً أكثر، وما أنجزه «مركز بيروت الدولي» في الأعوام الأخيرة يمكن أن يشكل أرضيَّة صلبة للارتقاء بهذا النوع من الدراما للوصول إلى مستوى أفضل في السنوات المقبلة.
بعدما تناول «الغالبون» إنجازات المقاومة العسكريَّة، خصَّص فتح الله عمر مساحة كبيرة للجانب الأمنيّ في الصراع بين المقاومة والعدو في عمله الجديد «بوح السنابل» الذي سيعرض في رمضان على شاشة «المنار». المسلسل اجتماعيّ يحكي حكاية جديدة عن بيئة المقاومة في بلدة عيتا الشعب قبيل عدوان تمّوز، ويرصد عن قرب هذه البيئة الدافئة الحانية التي كانت أهلاً لانتصارات تحققت لاحقاً في الحرب، وفق حبكة دراميَّة متقنة ومشوقة. وقد انتهى تصويره أخيراً تحت إشراف المخرج السوري محمد وقاف، وبمشاركة عدد كبير من نجوم الدراما اللبنانيَّة، وأبرزهم: أحمد الزين، مجدي مشموشي، عمار شلق، فيفيان أنطونيوس، نيكولا مزهر، ستيفاني عطالله، مازن معضّم، ربيع الحاج، علي سعد، ومهدي فخر الدين.
يرى فتح الله عمر أنَّ الدراما اللبنانيَّة ارتقت نسبيَّاً في السنوات الأخيرة بالتزامن مع دخولها مجال الإنتاجات الضخمة. يشبّه ذلك بما حصل مع نظيرتها السّوريَّة بعد «نهاية رجل شجاع» (1994 ـــ سيناريو حسن م. يوسف عن رواية لحنا مينه، وإخراج نجدت أنزور). يرى أنَّ الأولى أفادت من انحدار الثانية نسبيَّاً بعد الأزمة، وكذلك من وجود عدد كبير من القنوات التلفزيونيَّة اللبنانية التي اعتمدت الدراما أخيراً كساحة للتنافس في ما بينها. ويرى أنَّ هذين العاملين يعطيان الدراما اللبنانيَّة فرصة للتطور والانتشار، شرط الخروج من معضلة النصوص المتشابهة، والدخول في المواضيع العميقة، وتناول المشاكل الاجتماعيَّة المعيشة في لبنان، بدلاً من الاكتفاء بقصص الحبّ والغرام.
يعجبه كثيراً أداء الممثل عبدو شاهين الذي يعطي كلّ دور يؤديه، دفئاً وعمقاً حقيقياً وجميلاً، ويرى فيه موهبة استثنائيَّة لديها الكثير مما تقدمه مستقبلاً.
وفي معلومة يفصح عنها للمرَّة الأولى، يكشف صاحب «وراء الوجوه» لـ «الأخبار» عن عمل ضخم يُعدّه للموسم المقبل سيكون إطلالته اللبنانيَّة الأولى بعيداً عن جلباب «مركز بيروت».