المرأة هي الوجه الوحيد في معرض «هي» لرانيا مطر في «غاليري تانيت» (مار مخايل ــ بيروت). إنها الموضوع والشاهد عليه. أسئلة كثيرة جعلت المصوّرة الفلسطينية اللبنانية تنحاز إلى تصوير الإناث وهي ترى التبدلات النفسية والشخصية لابنتيها مع تقدمهما في العمر. لكن الكاميرا تنقُل المصوّرة من التلصص على الابنتين إلى عالم أكثر تعقيداً يشمل المصوّرة نفسها. إناث طفلات ومراهقات ونساء، من ماساشوستس الأميركية إلى مخيم برج البراجنة في بيروت. تاريخ التصوير الفوتوغرافي فيه الكثير من تجارب الأم المصوّرة والابنة الموضوع.

«دانيا 9، برج البراجنة» (2011)

علاقة تسقط فيها الروابط المتوقّعة بين الأم والابنة حين تصير الفوتوغرافيا هي الوسيط، مثل المصوّرة البريطانية كليمنتينا هاوردن، التي صوّرت بناتها بوضعيات إيروتيكية في القرن التاسع عشر، والأميركية سالي مان، التي وضعت طفلاتها الثلاث في أطر مفاجئة ومقززة أحياناً تظهر فيها ندوب وأورام حول العين وأسرّة مبلّلة. تنأى مطر عن تطرف أو مراوغة كهذه. الأعمال المعروضة محكومة بالاستكشاف والتوثيق لتشكيل ألبوم شامل للنساء عابر للحواجز الجغرافية والهوياتية. وإن كانت الصور المعروضة من مجموعات مختلفة: «هي: الآن، هنا وهناك»، وBecoming، و«حوارات غير محكية»، و«فتاة وغرفتها»، وL٬Enfant-Femme، إلا أنها تبدو كتنويع على ثيمة واحدة هي هوية المرأة وتمثيلاتها في البورتريه. بين التوثيق والاشتغال على الكادر الفني النظيف بعناية، تكتمل الصورة عند رانيا مطر. وجوه تتخلى عن ملامح الطفولة، بنات يقفن بجوار أمهاتهن، غرف نوم هي الهوية، إذ تخرج مكنوناتها وتأثراتها من البوب آرت إلى الآيات القرآنية. في L٬Enfant-Femme نرى أربعة بورتريهات لفتيات قبيل مرحلة المراهقة. عمر حائر بين ملامح نضج تؤجّل الكشف عن نفسها، وطفولة تأسر الجسد. طلبت المصوّرة من الفتيات اتخاذ وضعياتهن، شرط أن يبتعدن عن الضحك أو الابتسام. لعلّه بهدف تخليصهن من أي قناع. إقلال بصري قد يفهم كتعبير عن غياب هوية واضحة أو غير مكتملة في هذا العمر.
لكن هذه النظرات تظلّ كما هي في معظم الوجوه. في بيروت وأميركا (حيث تعيش مطر وتعمل) والمخيمات الفلسطينية في لبنان، تجلس الطفلات على الأرائك أو يسندن أجسادهن إلى جدار مليء بصور الشهداء الفلسطينيين. من هذه المرحلة العمرية، تتبع المصوّرة طفلات أخريات في انتقالهن إلى فترة المراهقة في مجموعة Becoming. تتألف المجموعة من صورتين لكل فتاة، تفصل بينهما حوالى 5 سنوات. وإذ تعود لتصوير إحداهن بعد أعوام، تترك مطر الخلفية ذاتها في معظم الأحيان، فيما تبقى الفتيات في الوضعية نفسها أيضاً. هنا دعوة إلى المقارنة بين الفروقات التي تحصرها المصوّرة في الأجساد والوجوه والنظرات والملابس، وتلك الإيماءات البسيطة التي تتبدّل بخجل بين البورتريهين. تركّز هذه المجموعة على الحضور الجسدي شكلياً، فيما تسعى إلى الوصول إلى ما هو أبعد من ذلك عبر التفاصيل التي توزّعها مطر في الخلفية كاللوحات المعلّقة على الجدران. بكشفها عوالم متعددة للنساء، توسّع الصور شيئاً فشيئاً سؤال الهوية. تلتمس المصوّرة الهويات في التقدّم الزمني أحياناً، والتغيّرات الداخلية والقلق والهشاشة التي بها يتهيآن لمواجهة العالم. في إحدى مقابلاتها، تقول مطر إن هناك الكثير مما يجمع الفتيات الفلسطينيات واللبنانيات مع الفتيات الأميركيات من العمر نفسه. قد يصح هذا في ما يتعلق بالنفسي والجسدي الذي تترك له مساحة أساسية في طرحها. لكنّ طرحاً كهذا قد يجد ما يناقضه في صور«فتاة وغرفتها»، وما تكشف عنه من هويات جماعية، وثقافية وطبقية... في هذه المجموعة، تقتحم المصوّرة الفضاء الحميمي الذي تبني فيه الفتيات عالمهن الخاص. ألصقن معتقداتهن، وإيمانهن، ونجوم البوب المفضلين والصور العائلية على جدران غرف النوم. تعم الفوضى الأسرّة، عليها رميت الثياب والدمى والكتب.
تختار مطر وضعيات الاستلقاء والجلوس للموديلات يفرضها عليهن وجودهن في غرفة النوم. يصعب على المتفرّج ألا يقارن تلقائياً بين غرفة وأخرى. وإن تجمعها دوافع المصوّرة نفسها (العثور على السمات المشتركة لدى النساء، رغم التباعد الجغرافي...)، إلا أنّ هذه الصور ستكشف عما هو مخبأ مثل لقطة لزهرة في مخيم البرج الشمالي في صور داخل غرفة تخلو إلا من الحصيرة والفراش. كم يمكن فصل الذات الداخلية عن الخارج الاجتماعي والثقافي والطبقي الذي يحيطها ويشكّلها؟
ألصقن معتقداتهن وإيمانهن ونجوم البوب المفضلين والصور العائلية على جدران غرف النوم


في مجموعة «هي: الآن، هنا وهناك» تفتح مطر الصورة على الفضاء الخارجي في موازاة التقدم في العمر. الخلفيات ورمزياتها عنصر أساسي لاستنطاق تحولات الشابات ودواخلهن. في واحدة من اللقطات، تقف فتاة أمام جدار مثقوب بطلقات الرصاص، وأخرى يسندها جدار نقشت عليه الورود. امرأتان تلبسان العباءات الملوّنة تديران ظهريهما للكاميرا في مخيم برج البراجنة. التداخل أو التنافر البصري يظهر جلياً ضمن كادرات مرتبة تظهر الجدران والأشجار والأبنية التي عليها تطل الشابات. تضيء مجموعة «حوارات غير محكية» على العلاقة بين الأم والابنة، وما يدخل فيها من تمرّد وتوريث جيني باد في سمات الوجه. في الصور، أمهات وبنات في الإطار نفسه. لعلّ المجموعة هي الأقوى، حيث الصورة ببساطتها تحوي التقارب والتباعد الهائل بين الشخصيتين، كما في لقطة تقف فيها الابنة والأم بالثياب البيضاء بطريقة يصعب معها تمييز الجسدين، في حين تلتفت كل منهما إلى ناحية معاكسة للأخرى. تضمّن مطر بورتريهات أخرى باللوحات أو المرايا والعناصر المختارة بدقة التي تكشف عن تدخل الفنانة، فيما تترك للعلاقة أن تنساب في اتجاه واحد، على طبيعتها، كما في صورة للفنانة اللبنانية هوغيت كالان وابنتها بريجبت.

* معرض «هي» لرانيا مطر: حتى الأول من حزيران (يونيو) ــ «غاليري تانيت» (مار مخايل ــ بيروت). للاستعلام: 01/562812