كان | سبق لأصغر فرهدي أن حاول استعادة تيمته الأثيرة، المتعلقة بسبر أغوار الأسرار والجراح العائلية، في فيلمه «الماضي» (2013)، الذي دارت أحداثه في باريس. لكن الفيلم كان مجرد نسخة فرنسية باهتة عن رائعته «انفصال» (الدب الذهبي في برلين 2011 ـــــــ أوسكار أفضل فيلم أجنبي 2012). مما جعل صاحب «عرس النار» يعود سريعاً إلى «العباءة الكياروستامية» التي خرج من معطفها، على غرار أقطاب ومريدي «الواقعية الإيرانية»، التي باتت اليوم مدرسة فنية تتجاوز تأثيراتها حدود موطن عمر الخيام.

لذا، لم يكن أحد ليتصور أن فرهدي سيعود، بعد النجاح المبهر الذي حققه في «البائع» (جائزة أفضل سيناريو في «كان» 2016 ـــــــ أوسكار أفضل فيلم أجنبي 2017) ليقع في المصيدة ذاتها. مصيدة التيه في غياهب العولمة السينمائية، ركضاً وراء عالمية موهومة. تيمة التابوهات والأسرار العائلية المسكوت عنها، التي اتخذت طابعاً تراجيدياً في «انفصال» و«بخصوص إيلي» (الدب الفضي - مهرجان برلين – 2009)، غرقت في الثرثرة الميلودرامية في جديده «الجميع يعلم» الذي افتُتحت به الدورة الحالية من «مهرجان كان»!
لم يعد السؤال: هل كان جديراً بصاحب «وسط الغبار» أن يبتعد عن التقليد السينمائي الإيراني الذي يتخذ من الإغراق في المحلية سبيله للوصول إلى العالمية؟ حتى الأب المؤسس لـ «الواقعية الإيرانية»، الراحل عباس كياروستامي، خاض تجربة «التغريبة السينمائية» مرتين. الأولى في ريف توسكانا الإيطالي، من خلال «طبق الأصل» (بطولة جولييت بينوش وويليام شيمل - 2010)، والثانية في اليابان، من خلال فيلمه الروائي الأخير «مثل عاشق» (بطولة رويي كازي ورِن تاكاناشي - 2012).
في «الجميع يعلم»، وقع فرهدي في فخ اجتياز الخط الأحمر الفاصل بين الوهج التراجيدي والميوعة الميلودرامية. فخ سبق أن أصاب في مقتل سينمائيين كباراً من قبله، حين حاولوا الخروج عن خصوصيات البيئة المحلية التي صنعت فرادة أفلامهم. من بين هؤلاء التوأم البلجيكي الأشهر، الاخوان داردين، اللذان انساقا نحو سقطة مدوية في فيلمهما «البنت المجهولة» (2016)، والمخرج الأرمني الكندي، آتوم إيغويان، صاحب رائعة «أرارات» (2002)، الذي «ضيع الطاسة» هو الآخر في تجربته الهوليوودية «مختطفات» (2014).
في النهاية بدل أن يسلك طريقه الى العالمية، ضاع أصغر فرهدي في غياهب العولمة السينمائية. صحيح أنه حقق فيلماً خوّله أن يكون أول سينمائي غير فرنسي ولا أميركي يفتتح «مهرجان كان». فقد اجتمعت في «الجميع يعلم» كل مقومات النجاح: صنعة فنية متقنة ونجمان (بينيلوبي كروز وخافيير بارديم) في قمة تألقهما الفني. لكن فضلاً عن المطبات الميلودرامية التي شابت حبكته الحكائية، جاء الشريط أشبه بأفلام المرحلة المتأخرة في مسار السينمائي الكبير رومان بولانسكي: صنعة فنية لا يمكن التشكيك فيها، وقدرة فائقة على الإبهار البصري، وبضع لمسات من العبقرية الإخراجية. لكن من دون أي دفء أو توهج شاعري من شأنه أن يترك بصمة مؤثرة في وجدان ومخيلة المُشاهد!