القاهرة | بلا منطق، ولا مقدمات، ولا داع، قرّر آل العدل، وبالتحديد المنتج جمال العدل والمؤلف مدحت العدل أن يستعينا بالمغني فضل شاكر، لغناء تتر مسلسل «لدينا أقوال أخرى» (يعرض في رمضان على قناة ON E)... قبل أن يعلنا مساء الأربعاء الماضي أنهما قاما بإلغاء الأغنية وقدما اعتذارهما للشعب اللبناني عما تسبّبا به من غضب عام.

لكن بين خبر الاستعانة بشاكر (صدر حكم غيابي بسجنه 15 عاماً على خلفية تورطه مع الإرهابيين عام 2013 في معارك عبرا جنوب لبنان ضد الجيش اللبناني)، وطرح الأغنية على اليوتيوب وإعلان الاعتذار وسحب الأغنية، قامت الزوابع على مواقع التواصل الاجتماعي وداخل كواليس المسلسل الذي تشارك يسرا في بطولته، وداخل كواليس السياسة الخارجية المصرية. وقد علمنا أن سحب الأغنية جاء بعد ثورة غضب عارمة من يسرا عقب معرفتها بما حدث، وعقب تحذيرات من مسؤولين استشعروا خطورة الأمر.
على السطح، يبدو أن المسألة عبارة عن خطأ غير مقصود تم الاعتذار عنه، وأن القرار اتخذ من دون وعي بخطورته أو تأثيره. لكن يصعب تصديق هذا لأسباب كثيرة، على رأسها أن آل العدل ليسوا «آل السبكي»، الذين اشتهروا بانتاج الأفلام الخفيفة المثيرة للجدل. أو على الأقل، يفترض الناس أنّ آل العدل مثقفون، واعون، أصحاب مواقف وطنية ولديهم علاقات متينة بالمسؤولين والدولة، وأنهم لا بد من أنّهم يفكرون ويتدبرون الأمور جيداً قبل أن يتخذوا قراراً مثل الاستعانة بشخص متهم رسمياً وصدر بشأنه حكماً بالسجن، وفوق ذلك نجم لديه، أو كانت لديه، شعبية كبيرة، استغلها ذات يوم ليس ببعيد للتحريض على صراع طائفي مميت، وسمح بتصويره ونشر صوره وهو يحمل السلاح ويتفوه بعبارات تحض على القتل.
المسألة ليست أن شاكر متهم من قبل القانون فقط، لكننا بإزاء شخصية عامة محبوبة استغلت شعبيتها للحض على العنف والقتل باسم الدين. وحتى لو لم يستطع القانون إدانته في نهاية المحاكمة، فإن الاستعانة به لغناء مقدمة مسلسل رمضاني كبير يذاع يومياً مرات عدة، هو أمر يفتقر تماماً للحساسية والذوق، إن لم نقل إنّه استغلال رخيص للجدل المثار حول المغني الذي يزعم أنه أعلن توبته، كأنه ارتكب معصية شخصية، لا جرماً عاماً.
إنّ «الجرم» الذي ارتكبه آل العدل فعلياً، هو أنهم طرحوا قضية فضل شاكر للتصويت على مواقع التواصل الاجتماعي، مصحوباً بالأغنية التي تحمل اسم «شبعنا من التمثيل» بصوت شاكر «الحنون» المنكسر، وكلماتها الشعبوية التي كتبها مدحت العدل على منوال أغنية مسلسل العام الماضي «لأعلى سعر» التي تلعب على وتر الشكوى الشعبية المصرية القديمة والرائجة هذه الأيام من الزمن والأيام والقدر الذي يرفع من شأن الخسيس ويظلم الأصيل. وإذا أضفنا إليها ألحان عمرو مصطفى التي تلعب على «الثيمات» الشعبية والعاطفية نفسها، نجد أنفسنا أمام عمل «استغلالي» exploitative من الطراز الأول، وإن كنا نشك أن أصحاب الأغنية أو المسلسل يمكن أن يفهموا معنى التعبير ومدى خطورة الاستغلال «الشعبوي» الرخيص لمشاعر العامة، في مناخ حي وإلكتروني يسود فيه الصوت العالي والذوق المنخفض.
إنّ استعانة آل العدل بمغن كهذا في أغنية كهذه، سواء بقرار منهم، أو بنصيحة غير أخوية لهم، هو إقرار للتطبيع مع الإرهابيين السابقين والمستقبليين، واستخفاف وتخفيف من جرائم إنسانية، ومساهمة في تحويل أي قضية وأي موضوع إلى مادة للتعليق والتصويت وإصدار الفتاوى على الإنترنت.
ويصعب أن يصدق المرء أن آل العدل ومعهم المطرب والملحن «الوطني» عمرو مصطفى ــ كلهم معروفون بتأييدهم للنظام والدولة التي تخوض حرباً طاحنة ضد «داعش» والمتطرفين ـــ لم يفكروا مسبقاً في خطورة قرارهم بالاستعانة بـ «داعشي» ــ حتى لو كان سابقاً ــ في أغنية تثير عواطف وتعاطف الجمهور مع صوته المتهدج الحزين الذي يستحق أن نقول له «كفى… شبعنا من التمثيل»!
والغريب أن يأتي ذلك عقب أزمة أخرى تسبب فيها آل العدل، المفترض أنهم واعون ومدافعون عن حرية التعبير، عندما أعلنوا أنهم بصدد صنع نسخة ثانية من مسلسلهم «أرض النفاق» حيث سيستبدلون الإعلامي الممثل إبراهيم عيسى بممثل آخر بناء على طلب «الرقابة» السعودية لأن عيسى مغضوب عليه في المملكة. قرار آخر يبدو بريئاً ولكنه يفتح باب الجحيم على الفن والدراما في مصر، اللذين يعانيان بالفعل من حصار رقابي ليس له مثيل، ولا ينقصه أيضاً رقابة البلاد المجاورة، وهو أمر يستحق أيضاً أن نقول له: يا آل العدل كفاية… شبعنا من التمثيل!