كان | أخيراً، تبين - بما لا يترك مجالاً للشك - بأنّ لـ «الربيع العربي» منافع وأفضالاً على البشرية! من أتون الخراب الذي عمّ البلاد العربية، خلال السنوات السبع العجاف الماضية، خرج «شيخ» السينما، جان لوك غودار، بتحفة بصرية تحمل عنوان «كتاب الصورة»، فضح فيها زيف هذا «الربيع» ومفارقات ثواره المزعومين الذين يصفهم بـ «عشاق الوطن الذين كانوا يتطلعون للموت من أجله، ثم اكتشفوا أن قتله أسهل»!

اختار غودار لتأملاته في مفارقات وخيبات «الربيع العربي»، قصة رمزية تدور أحداثها في إمارة خليجية خيالية أطلق عليها اسم «إمارة دوفة» (في تلميح مبطن الى «الدوحة»): إمارة صغيرة الحجم يحلم رئيس وزرائها، الأمير بن خدّام، بأن يجعل منها زعيمة «مملكة العرب السعيدة». وحين يفشل في بلوغ مآربه، لقلة موارد «الدوفة» ومحدودية تأثيرها، يلجأ الى تدبير ثورة زائفة لزعزعة الأوضاع القائمة.
لكن الثورة المزعومة لا تلبث أن تتحول الى اقتتال أهلي يهدم المعبد على جميع من فيه، بمن فيهم بن خدام وزبانيته. وكل ذلك يجري، بالطبع، تحت العين الراعية لـ «المجرم الأبيض الكبير الذي لم يكن للمجرمين الصغار أن يرتكبوا فظائعهم من دون مباركته».
قد يبدو من الغريب أن نقدّم للقارئ هنا ملخصاً لـ «كتاب الصورة»، أو لأي فيلم آخر من أعمال غودار في الفترة ما بعد أيار (مايو) 1968. صاحب «في مديح الحب» ظل وفياً، منذ أن تخلى عن السينما التقليدية، لحساب ما أسماه «السينما المفكرة»، من خلال ذلك المفهوم المجدّد الذي سخر فيه من مقولة لسبيلبرغ، قائلاً: «الفيلم السينمائي يجب أي يبقى بالفعل عملاً سردياً يتضمن مقدمة وحبكة وخاتمة، لكن ليس حتماً وفق هذا الترتيب»!

ملصق «كتاب الصورة»

لذا، جاءت قصة «إمارة دوفة» وثوراتها الزائفة أشبه بجملة اعتراضية مقتضبة في نص ذي بنية متشظية. إذ سبقتها خمسة مقاطع تمهيدية «أشبه بأصابع اليد التي نحتاج أن نكتشفها واحدة تلو الأخرى، قبل أن نرى الكف بأكملها». هذه البنية المركبة، التي اتخذت شكل تأملات بالغة التعقيد والعنف (الفكري والبصري) في تيمات الثورة والحرب، جعلت الفيلم أقرب الى «البيرفورمانس» الفني منه إلى العمل السينمائي التقليدي. بخاصة أن صاحب «بيارو المجنون» لم يصور أي مشهد لعمله الجديد هذا، مكتفياً بـ «التفكير بيديه» من خلال المونتاج، كما قال في النقاش الشيق الذي فتحه عبر «فايستايم»، من عزلته السويسرية، مع النقاد والصحافيين الحاضرين في «كان».
بتخليه عن التصوير السينمائي لحساب المونتاج، اشتغل غودار على صنف غير مسبوق من الكولاج الفني لصور ومشاهد مستقاة من عدد لا يحصى من الأعمال السينمائية (الروائية والتوثيقية)، من مختلف الحقب والجنسيات والتوجهات الفنية. مما سمح له بأن يسائل تاريخ الفن السابع، من خلال استشهادات متقاطعة استقاها من عوالم سينمائية وأفلام متباعدة، من «آخر الرجال» (فيردريتش فيهلم ميرنو – 1924) إلى «سقوط الصقر الأسود» (ريدلي سكوت – 2001، مروراً بـ «المرأة صاحبة الغراب» (فرانك بورزاج – 1929)، و«إيفان الرهيب» (سيرغاي أيزنشتاين – 1945)، و«ألمانيا العام صفر» (روبيرتو روسلليني – 1948)، و«دم الوحش» (جورج فرانجو- 1948)، و«جوني غيثار» (نيكولاس راي – 1954)، و«عرق بارد» (ألفريد هيتشكوك – 1958)، و«أنياب البحر» (ستيفن سبيلبرغ – 1975).
وقد كانت للسينما العربية، بالطبع، حصة الأسد في هذه الاستعارات الغودارية، من خلال «جميلة» و«باب الحديد» ليوسف شاهين، و«أطفال الحرب» لجوسلين صعب، «تمبكتو» لعبد الرحمن سيساكو، و«طوق الحمامة المفقود» لناصر خمير، فضلاً عن نصوص لإدوارد سعيد وألبير قصيري وتوفيق زياد. نصوص قاطَعَ صاحب «موسيقانا» بينها وبين مقتطفات أدبية أخرى لشكسبير وبلزاك ومونتيسكو وبيكيت ورامبو وفولكنر. وقد احتل الفن التشكيلي بدوره مكانة مركزية في هذا الكولاج الغوداري، من خلال لوحات ذات مرجعية متعددة، من ليوناردو دافنشي الى بيكاسو، مروراً بجياكوميتي.



شكّل «كتاب الصورة» والنقاش الذي تلاه بين غودار والصحافيين، في مؤتمر ارتجله «العراب»، عبر «فايستام» من جنيف، المحطة الأبرز في فعاليات النصف الأول من «كان» الـ 71، إذ نجحت هذه التحفة الغودارية في إيقاظ الكروازيت من سباتها، بعد أسبوع باهت لم تُثر عروضه أي جدل أو معارك من ذلك الصنف الذي يبقى ماثلاً في ذاكرة عشاق الفن السابع.
لكن غودار، كالعادة، لم يحقق الإجماع. فقد استعصت على فهم بعضهم تهويماته التأملية وعوالمه الفنية المبهمة. ووصل الأمر بصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية إلى حد القول بسخرية ستروق بالتأكيد لرائد «الموجة الجديدة»: «بعد خمسين سنة من انتفاضة مايو 1968، ها هو غودار يعود مجدداً ليخرّب مهرجان كان»! وذلك في إشارة الى الواقعة الشهيرة التي تشبث غودار خلالها بستارة قاعة لوميير لمنع إقامة العروض، ضمن حراك أدى إلى إلغاء المهرجان آنذاك، تضامناً مع انتفاضة الطلبة الباريسية.
لكن عروض هذا الأسبوع الأول من «كان» الـ 71، لم تخل من المفاجآت السارة. مفاجآت حملتها خمسة أفلام لوافدين جدد على الكروازيت أو لعائدين بعد غياب (أو تغييب قسري)، وهي: «حرب باردة» للبولندي باول باولوفسكي، و«يوم الدين» للمصري أبو بكر شوقي، و«بنات الشمس» لإيفا أوسون، و«صيف» للروسي لكيريل سيريبرينيكوف، و«ثلاثة أوجه» للإيراني جعفر بناهي. أما من بين الأسماء المكرسة، فإن الوحيد الذي لم يخيب الآمال، فهو الصيني جيا زونغ كي، الذي خطف الأضواء برائعته الجديدة «الرماد هو البياض الأكثر نصاعة»، في حين كانت السقطات الأكثر دوياً في هذه الدورة من نصيب الإيراني أصغر فرهدي (الجميع يعلم) والفرنسي كريستوف أونوري (أن تعجب وتحب وتركض بسرعة).
الى ذلك، كانت السمة الرئيسيّة التي طبعت الأسبوع الأول من هذه الدورة نفس نسائي غير مسبوق على الكروازيت. لجنة تحكيم المسابقة الرسمية ضمت ـــ للمرة الأولى في تاريخ المهرجان ـــ غالبية من النساء تتصدرهن رئيسة اللجنة، النجمة الأسترالية كيت بلانشيت. في المقابل، يشهد سباق «السعفة الذهبية» عدداً قياسياً من المشاركات النسوية، من خلال ثلاثة أفلام، ومنها «كفرنحوم» للبنانية نادين لبكي (سيعرض مساء الخميس 17 أيار/ مايو)، وستكون بذلك أول مخرجة عربية تنافس على «السعفة الذهبية».
نفس نسائي غير مسبوق طغى على الكروازيت

إلى جانب هذه المشاركات النسوية، أطلق المهرجان حملة كبيرة لمناهضة التحرش ضد النساء في الأوساط السينمائية. وضمن هذه الحملة، أُصدرت بطاقة رمزية تشبه تذاكر الدعوة الى حفلات المهرجان، التي عادة ما يكون مكتوباً عليها: «إن ارتداء بذلة لائقة أمر إجباري». وتنويعاً على تلك العبارة، كُتب على هذه البطاقة: «إن التصرف بشكل لائق أمر إجباري». ورافق ذلك هاشتاغ #nerienlaisserpasser باللغة الفرنسية، بمعنى أن «أي تحرش أو تصرف غير لائق لن يمر من دون عقاب».
هذه اللمسات النسائية تُوّجت بتظاهرة خاصة شاركت فيها 82 امرأة من مختلف الجنسيات يعملن في مجال السينما، تتقدمهن المخرجة أنييس فاردا، ورئيسة لجنة التحكيم كيت بلانشيت، والنجمات جين فوندا وكلوديا كارديناللي وسلمى حايك وماريون كوتيار. وقد احتلت هؤلاء النساء السينمائيات البساط الأحمر، مساء أول من أمس السبت، في استعراض نسائي خالص سبق عرض فيلم «بنات الشمس» للمخرجة الفرنسية الناشئة إيفا أوسون. وهو فيلم آسر اتسم بالكثير من الشاعرية، على خلفية قصة ذات منحى نسائي تثمن تضحيات المقاتلات الكرديات في الحرب ضد داعش في سوريا.
ولم يكن من المصادفة أنّ عدد النساء السينمائيات اللواتي شاركن في هذه التظاهرة هو 82 امرأة، إذ إن لهذا العدد دلالة رمزية احتجاجاً على العدد الضئيل من النساء اللواتي دخلت أعمالهن سباق «السعفة الذهبية»، طوال سبعة عقود من عمر المهرجان، والبالغ عددهن 82 مخرجة فقط!