عن 63 عاماً، غيب الموت الممثلة المسرحية الجزائرية الأشهر «صونيا» بعد صراع مع المرض أبعدها عن الأضواء منذ قرابة عامين. تخرجت صونيا (اسمها الحقيقي سكينة مكيو) من معهد الفنون الدرامية في «برج الكيفان»، في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، عام 1970، وكانت آنذاك ضمن أول أربع نساء ممثلات احترفن الفن المسرحي في الجزائر.

ضمن فرقة «المسرح الوطني الجزائري»، شاركت في عدد من الاعمال التي شكلت محطات مفصلية في تاريخ المسرح الجزائري، ومن أشهرها «قالوا العرب قالوا» (عن «المهرج» لمحمد الماغوط)، و«حافلة تسير» (عن «سارق الأتوبيس» لإحسان عبد القدوس)، و«جحا باع حماره» (عن نص لنبيل بدران)، و«الشهداء يعودون هذا الأسبوع» (عن قصة تحمل العنوان ذاته للطاهر وطار). كما شاركت في تجربة «فرقة الممثلين العرب» الطليعية، التي أسسها الطيب الصديقي ونضال الأشقر، والتي قدمت عرضاً مسرحياً عربياً فريداً، عابراً لحدود اللهجات والدول، بعنوان «ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ».
خلال ربع قرن في «المسرح الوطني الجزائري»، مثلت «صونيا» تحت إدارة عدد من عمالقة الفن الرابع في بلادها، من الراحل مصطفى كاتب، الذي بات «المسرح الوطني» اليوم يحمل اسمه، الى الشهيد عبد القادر علولة، خلال فترة مروره القصيرة بالجزائر العاصمة، قبل أن يعود إلى مسرح وهران، وصولاً إلى زياني شريف عياد، الذي أسسّت برفقته رباعياً شهيراً ضم أيضاً الراحل أمحمد بن قطاف، والشهيد عز الدين مجوبي. رباعي كان له الفضل في تأسيس أول فرقة مسرحية مستقلة، في خضم التحولات الديموقراطية في الجزائر، أواخر الثمانينيات، أسميت «مسرح القلعة». في هذه الفرقة، قدمت «صونيا» أول عرض فردي نسائي جزائري، بعنوان «العيطة» (الصرخة)، عام 1991.

سنوات الاقتتال الأهلي أجهضت التجربة الطليعية لـ «مسرح القلعة»


لكن سنوات الاقتتال الأهلي أجهضت تلك التجربة الطليعية، إثر سقوط عز الدين مجوبي برصاص الأصوليين، ليغادر «مسرح القلعة» زياني شريف عياد وأمحمد بن قطاف، الى المنفى الفرنسي، حيث قدّما مسرحيات عدة، منها «التمرين» و«وسط الدار» و«موقف اضطراري». بقيت «صونيا» في الجزائر، واشتغلت في السينما والتلفزيون، طوال الفترة التي بقي فيها «المسرح الوطني» مغلقاً، لغاية مطلع الألفية الجديدة.
عام 2000، عادت إلى «المسرح الوطني» الذي أُسندت إدارته تباعاً الى رفيقي دربها زياني شريف عياد ثم أمحمد بن قطاف. خلال هذه الفترة، أسهمت في إحياء تقليد اقتباس الروائع الأدبية الذي صنع شهرة وفرادة «المسرح الوطني الجزائري». إذ شاركت في اقتباس «نجمة» لكاتب ياسين، و«صيف الرماد» لعبد القادر جمعي، و«الشهداء يعودون هذا الأسبوع» للطاهر وطار، التي كان سبق اقتباسها من قبل «صونيا» ورفاقها، قبل ذلك بعقدين من الزمن، خلال الحقبة الذهبية لـ «المسرح الوطني الجزائري» في منتصف الثمانينيات.
بالرغم من التجارب المسرحية والسينمائية المتنوعة التي خاضتها، وآخرها كانت في فيلم «بانتظار السنونو» لمحمد موساوي (عُرض العام الماضي في «مهرجان كان» ضمن تظاهرة «نظرة ماج)، الا أن اسم «صونيا» ظل مرتبطاً بتلك الحقبة الذهبية الثمانينية، التي عاصرت خلالها عدداً من أبرز اقطاب الفن المسرحي في الجزائر، أمثال محمد فلاق، ومصطفى عياد، وسيد أحمد أقومي، الذي ارتبطت به لفترة، وأنجبت منه ابنتها الممثلة السينمائية سامية مزيان. كان ذلك قبل أن تتزوج من الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم خلال فترة إقامته في الجزائر، في منتصف الثمانينيات، إثر خروجه ورفيق دربه الشيخ إمام من المعتقل في مصر.
وقد شغف نجم بـ «صونيا» منذ أن شاهدها للمرة الأولى في عرض لمسرحية «جحا باع حماره»، وقال إنه رأى فيها معادلاً جزائرياً للسندريللا سعاد حسني. لكن تلك الزيجة لم تعمر طويلاً، بسبب عودة نجم الى مصر، إذ لم تلبث صونيا أن انفصلت عنه، لأنها لم تطق العيش بعيداً عن الجزائر.
في السنوات الاخيرة، تولت «صونيا» إدارة مسرحي سكيكدة وعنابة، في الشرق الجزائري. ثم أسست، عام 2011، «مهرجان المسرح النسائي»، الذي لم يعمّر أكثر من خمس دورات، إذ تم إلغاؤه، عام 2016، بقرار تعسفي من وزير الثقافة الجزائري الحالي عز الدين ميهوبي.