كأنَّ إسرائيلَ أرادت في يوم النكبة أن تُعيدَ إنتاج مشاهد تُذكِّر بصورتها الأصليَّة التي قامت عليها قبل سبعين سنة بالتّمام والكمال. أول من أمس، كانت الصورةُ عبر الشاشة الصغيرة أكبر بكثير من «فعالية» هنا أو «احتفاليّة» هناك، وأقلّ من أن تُظهِر حجم «المجزرة» كاملةً. كانت الشاشة قد قُسِّمَتْ إلى نصفين متساوِيَين تعلوهما عبارة «مباشر». ينظر الطفل في غزة إلى شيء ما، فيبدو في الصورة كأنه ينظر إلى «احتفالية» نقل السفارة الأميركية إلى القدس. لا حدود لبصره قرب السياج الشائك على «حدود» غزّة. لكنّ الصورة شاءت أن تنقل واحدة من أبرز مفارقات التاريخ والجغرافيا في توقيت متزامن. ترفع إيفانكا ترامب و«صحبها» الستارة عن لوحة مقر السفارة الأميركية في القدس، فيما في الصورة الأخرى من غزّة يرتفع «عدّاد» الضحايا سريعاً. تصفيق وابتسامات و«أنخاب» في «السفارة» تقابلها دموع ودخان وحجارة في غزّة.

حسن آيسن

يَظهرُ الشريط الأحمر في أسفل الشاشة ولا يختفي لساعات طويلة. صاروا الآن عشرة. عشرين. خمسين. يقارب «الرقم» الستّين شهيداً. قتلت إسرائيل في يوم واحد أكثر ممّا قتلته في سبع «جُمُعات» من فعاليات «مسيرة العودة الكبرى» المتواصلة منذ الثلاثين من آذار (مارس) الماضي. في القدس، كان بنيامين نتنياهو يقول: «شكراً لكم، هذا يومٌ مجيد. تذكروا هذه اللحظة. التاريخ يُصنع الآن. ترامب صنع التاريخ»! وفي غزّة كان الوجه الآخر للصورة أو قُل الوجه الحقيقي لـ «دولة إسرائيل» يظهر عارياً من أي مساحيق تجميل. على مدى يوم كامل، تقاسمت كلٌّ من «الميادين و«الجزيرة» صدارة المشهد الإعلامي من فلسطين. تفوّقت «الميادين» في النقل المباشر المفتوح من غزّة فيما نقلت «الجزيرة» المشهد حيث لا يمكن لـ «الميادين» أصلاً أن تفعل، من داخل مقر السفارة الأميركية في القدس المحتلّة تحديداً.
حضرت الشاشتان بـ«قوّة» وغابت «العربية» بقوة أيضاً. لم تنقل الأخيرة المشهد من غزة ولم تحضر حتى في «احتفالية» القدس. وطيلة يوم كامل، كان خبر فلسطين يأتي في المرتبة الثانية بعد الخبر العراقي في نشرات «العربية». كانت حصيلة الشهداء في غزة ترسمُ خطّاً بيانياً تصاعدياً عندما سألت مذيعة «الجزيرة» مراسل القناة في غزة وائل الدحدوح: «ماذا يدور في ذهن هؤلاء الشباب عندما يقتربون من الشريط الشائك إلى هذا الحد؟». دحدوح الذي أصيب إصابة طفيفة في نهار غزة الطويل، علّق بالقول: «لا يمكن حقيقة معرفة الهدف الفعلي لكنهم يتمتعون بشجاعة نادرة». هكذا إذاً احتشدت الصُوَر التلفزيونية في يوم واحد. صورة الشُبّان يقصّون الشريط الشائك على حدود غزة. آخرون يسيّرون طائرة ورقية محمّلة بزجاجة حارقة. الطفل الذي يحمل قنينة الحليب بيد وحجراً بيد أخرى. يقول الطفل للعالم إنه يرضع «قضيته» مع الحليب حرفياً. المرأة التي ترمي الحجارة بقوة الرجال. أسطورة الشهيد فادي أبو صلاح من على كرسيّه المتحرك. لا تحتمل إسرائيل أن ترى مقاومَة كـ «نموذج» فادي أبو صلاح. فعلت الأمر نفسه مع إبراهيم أبو ثريا قبل أشهر. يقول أحد المشاركين في فعالية مسيرات العودة الكبرى لمراسل «الميادين» أحمد شلدان: «إن شعبنا يخوض اليوم معركة الوعي»، فيعقّب الأخير بالقول: «إن جود مواطنين قرب السياج ليس تعبيراً مجازياً بل فعل مقاومة حقيقي». لكن الخبر العاجل جاء مختلفاً هذه المرّة نقلاً عن وزير إسرائيلي: «ستسمعون قريباً عن زيارات لمسؤولين من الخليج الى إسرائيل». هل من داعي بعد ذلك لمعرفة لماذا صمتت «العربيّة» بشكل مطبق وأشاحت بنظرها عن فلسطين يوماً كاملاً؟