هكذا بكل هدوء تسرّب الخبر: قناة «الجزيرة أميركا» سوف توقف بثها في نيسان (أبريل) المقبل، بعدما كانت تضم حوالى 850 موظفاً. القناة التي أمضت عامين فقط في الفضاء الأميركي، ستوقف بثها وفقاً للتقرير الذي أوردته «سي أن أن» أول من أمس ضمن صفحتها «أموال» في إطار تقريرها عن «المذكرة الداخلية» التي مررتها القناة عبر رئيس مجلس إدارتها آل آنستي. وكانت المذكرة تشير بوضوح إلى أنَّ «نموذج القناة الاقتصادي» لم يعد قابلاً للاستدامة. وفي هذا الكثير من حرفة «الفذلكة» الإعلامية، فالقناة لم توضح ما هو «النموذج» الذي قدمته أو ما هو الذي أثبت فشله فيه إذا كان ببساطة «نموذجاً» حتى. وكان عددٌ من موظفي القناة المعروفة أميركياً باسم AJAM قد أوردوا عبر مواقع التواصل الإلكتروني (وتحديداً تويتر كآل فيلشي) الخبر، مؤكدين أنّه يحصل قبل أن تظهر "المذكرة" إلى العلن، ثم يليها بيان القناة عن الموضوع، مشيرة إلى أنّها ستوسع نطاق خدماتها الرقمية في الولايات المتحدة.
ظهرت «الجزيرة أميركا» إلى العلن في 20 آب (أغسطس) 2013، بعدما اشترت شبكة «الجزيرة» القطرية قناة Current من نائب الرئيس الأميركي الأسبق آل غور بمبلغٍ طائل هو 500 مليون دولار. وحاولت استقطاب نجومٍ لامعين من الوسط الإعلامي الأميركي مثل كايتي أوبراين (رئيسة القناة التي كانت في «إي. بي. سي» سابقاً) وراندل بينكستون (سي. بي. أس)، وجون ستيغنتلر (أن بي سي)، وأنطونيو مورا (إي بي سي)، وراشيل كيري (سي أن أن)، وطوني هاريس («الجزيرة» الإنكليزية و«سي. أن. أن» أيضاً). برزت القناة أميركياً من خلال تقريرين مهمين أعدتهما: الأول هو وثائقي في ستة أجزاء يتناول الفقر في أميركا وسميHard Earned وحاز جائزة «دو بوانت» المعروفة التي تقدّمها «جامعة كولومبيا». والثاني هو The Dark Side (أو الجانب المظلم) الذي يتناول فضيحة تناول بعض اللاعبين الرياضيين للمنشطات. هذه النجاحات لم تكن فعلياً دليلاً على «تطوّر» القناة على صعيد «المتابعة».

لم تستطع حجز مكان أساسي بين موزعي الكيبل
ووفقاً لمقالة وردت في صحيفة «واشنطن بوست»، يقول كاتبها بول فرحي إن القناة واسمها العربي ذكّرا المشاهد الأميركي كثيراً بالقناة الأصلية في قطر التي ترتبط بالعداء للأميركيين والفيديوات التي كانت تنشرها "القاعدة"، وكانت القناة الأم (أي «الجزيرة» القطرية) تبثها أولاً بأول. كل هذا لم يكن ليعدّ مشكلةً حقيقية لو أنَّ نسبة المشاهدة كانت مرتفعة، إذ إنَّ التلفزيون في أميركا قائمٌ أساساً على لعبة المشاهدة ونسبتها. فأي قناة لا تحوز نسبة مشاهدة مرتفعة تتحول شيئاً فشيئاً إلى «تكملةٍ للصورة» لا أكثر ولا أقل. وبحسب تقريرٍ لـNielsen rating service (شركة لقياس نسبة المتابعة التلفزيونية) فإنَّ القناة كانت تجتذب قرابة 34000 ليلاً و24000 نهاراً. لكن الطامة الكبرى أنَّ الشركة نفسها أوردت أنَّه في بعض الأيام لم تكن «نسبةً المشاهدة تذكر» كي تتم «متابعتها» وإعطاء تقرير بشأنها.
في البداية، كان الهدف من إنشاء القناة منافسة القنوات الأميركية كالـ «سي. أن. أن»، و«فوكس نيوز»، و«أم. أس. أن. بي. سي» في عقرها دارها وبين جمهورها. إلا أن كثيراً من الأمور لعبت دوراً كبيراً في إفشال هذا المخطط. أولاً، فشلت القناة في أن تحجز لها مكاناً أساسياً بين موزعي الكيبل في أميركا. هذا الأمر أفقدها كثيراً من حضورها لدى المشاهد العادي، فظلت بعيدةً عنه. ثانياً، كان لغياب برامج القناة عن الإنترنت أثر "قاتل" عليها، ذلك أن الاتفاقيات التي اضطرت إلى توقيعها مع موزعي الكيبل كانت تتضمن بنداً يمنعها من عرض برامجها (أو مقاطع منها) على الشبكة العنكبوتية. ويورد راي سواريز الذي يقدّم برنامج Inside Story: "لطالما سألني الناس كيف يمكنهم متابعة البرنامج على الإنترنت، أو على الأقل مشاهدة مقطع منه؟ كانت إجابتنا الوحيدة هي أن هذه الأشياء غير متوافرة للنشر". ثالثاً، بدت تقارير القناة ووثائقياتها وحتى تلك الفائزة بجوائز (مثل Hard Earned أو The Dark Side) تدخلاً في ما لا يعنيها، إذ "لماذا يريد المشاهد الأميركي أن يشاهد تقريراً عن الفقر الأميركي من قناةٍ غريبة عنه؟" بحسب كلامٍ للأستاذ في «جامعة جورج واشنطن» جورج سنسو. رابعاً، يبدو أن أزمة أسعار البترول قد وصلت فعلياً إلى الذروة، لذلك لم يكن غريباً البتة أن تغلق القناة أبوابها تجنباً للمزيدٍ من الخسائر المادية الضخمة.
في الختام، يأتي كلام أندرو هايورد (رئيس أسبق لأخبار «سي. بي. أس» الأميركية) الذي قاله لـ«نيويورك تايمز»، ليوضح الصورة بشكل كامل: واجهت قناة «الجزيرة أميركا» منذ بداياتها صراعاً خاسراً، إذ إن البيئة الإخبارية الأميركية مشبعة تماماً، واللاعبين هناك كبار (في إشارة منه إلى «سي. أن. أن»، و«فوكس نيوز»، و«أم. أس. أن. بي. سي)»، مضيفاً: "لم يكن العالم بحاجة إلى قناةٍ إخبارية جديدة في الولايات المتحدة الأميركية، ولو أنهم قالوا بأنَّهم سيوردون قصصاً وأخباراً، مستخدمين مهاراتٍ أعلى".