كان | بالرغم من أنّه لم يسبق أن نال «السعفة الذهبية»، إلا أنّ المعلم الإيطالي ماتيو غاروني (49 عاماً) يعدّ واحداً من السينمائيين الأكثر شعبية على الكرازويت. مشاركته الأولى في «كان»، عام 2008، كان لها وقع القنبلة. فقد خطفت رائعته «غومورا»، التي تحدّى فيها شبكات المافيا في نابولي (عن رواية شهيرة للصحافي روبرتو سافياني)، «الجائزة الكبرى». جائزة نالها ثانية، عام 2012، عن فيمله Reality ، الذي كان أوّل عمل سينمائي تصدّى لظاهرة تلفزيون الواقع ودورها في إفساد الذوق العام.

السؤال الذي بات على كلّ الألسن، بعد العرض الرسمي لجديده Dogman، أمس: هل يتعثر غاروني، هذه السنة أيضاً، على عتبة «الجائزة الكبرى»، ثانية أهم المكافآت في «كان»؟ أم أنّه سيشق طريقه، أخيراً، نحو النادي المغلق لأصحاب السعف الذهبية. نادٍ رأى كثيرون أنّه كان جديراً بالانضمام إليه في كل مرّة حطّ فيها الرحال على الكروازيت. وخاصّة أنّه، بعد فيلمَيْه المذكورَيْن، اللذين أحرزا «الجائزة الكبرى»، عاد ليبهر الجمهور والنقاد، عام 2015، برائعته «حكاية الحكايات». لكنّ لجنة التحكيم، التي ترأسها آنذاك الأخوان كوين، كان لها رأي مخالف، إذ خرج الفيلم بخفي حنين من سباق الجوائز.
بعيداً عن التهويمات الغرائبية لـ «حكاية الحكايات»، وعن النبرة النضالية لـ «غومورا»، غرف ماتيو غاروني هنا من إرث «الواقعية الجديدة» الإيطالية. شخوص Dogman المسحوقة، التي تتخبّط في أجواء قاتمة من العنف العدمي، تبدو كأنّها خرجت للتوّ من أفلام فيسكونتي («العشاق الشيطانيون»، «روكو وإخوته»…)، أو روسيليني («روما، مدينة مفتوحة»، «رحلة في إيطاليا»…).
في خضمّ هذه الدورة التي هيمنت خلالها على الكروازيت الأفلام التي تحمل رسائل قوية، سواء على الصعيد السياسي أو في مجال الدفاع عن حقوق الأقليات والنساء والمستضعفين، اختار غاروني التغريد خارج السرب. بطله «مارشيللو»، عاشق الكلاب الذي يمتلك محلاً للعناية بها وتنظيفها، شخصية مهزومة وانطوائية تفتقر إلى أي كاريزما. والأمر ذاته بالنسبة إلى شلّة رفاقه، الذين يقاسمونه الحياة الرتيبة ذاتها في حي شعبي يعاني من هيمنة شاب أزعر يُرهب الجميع، من دون أن يجد من يمتلك الشجاعة الكافية للتصدّي له. إلى أن تنقلب جدلية الجلّاد والضحية، في المشاهد الأخيرة من الفيلم، إذ يخطّط «مارشيللو» للانتقام من أزعر الحي وقتله، أملاً في استعادة صداقة واحترام شلّة رفاقه. لكن الفيلم ينتهي بعبثية وسوداوية تذكّر بالعوالم العدمية ذات المنحى العبثي في أفلام الأخوين كوين («حلاق اللحى»، «لا بلد للمسنين»…)
يبقى السؤال: هل سينجح رهان ماتيو غاروني على المغايرة في منحه «السعفة الذهبية» التي يستحقها من دون شك؟ يتوقف ذلك على مدى جسارة خيارات لجنة التحكيم، التي تترأسّها الأوسترالية كيت بلانشيت. وهل ستمتلك الأخيرة الجرأة على التغريد بدورها خارج السرب، لتخالف السمة الغالبة على هذه الدورة، أي الأفلام ذات النبرة السياسية والنضالية؟