منذ اندلاع الأزمة السورية، تناقل بعض أبناء المناطق الحامية خبراً مفاده أنّ المسلحين باتوا يطلقون على أنفسهم أسماء شخصيات مسلسل «باب الحارة»، مثل «أبو النار» و«أبو شهاب»، بسبب تأثّرهم بقصّة النضال الخيالية التي كان يخوضها رجال الحارة ضد الاستعمار الفرنسي. لكن سرعان ما نذر بعض الأشخاص أنفسهم لنفي تأثّر عناصر المعارضة المسلحة بمسلسلات «الفانتازيا الشامية».


ولم يؤكّد أحد قصة «ابن الدرّة» الذي هاجم حواجز الجيش السوري برفقة مسلحين خرجوا من مقبرة «الدحداح» (دمشق)، بينما كان يحمل مكبّر صوت، ويطلق الوعود بالعقاب على طريقة حصار مخفر «أبو جودت» في المسلسل الشهير.
لكن الصورة توضّحت حين انتشر مقطع فيديو لشباب سوريين يقتحمون بأسلحتهم استديوات تصوير «باب الحارة» التي تقع في منطقة الجسر السابع، على طريق مطار دمشق الدولي، ضمن منتجع «القرية الشامية» العائدة ملكيته إلى رجل الأعمال السوري محمد راتب الشلاح. هؤلاء الشباب الذين بدا عليهم التأثّر بالمسلسل الافتراضي، دخلوا وهم يطلقون صرخات الفرح، معلنين سيطرة «الجيش السوري الحرّ» على «باب الحارة»! ثم راحوا يصوّرون أنفسهم على خلفية أغنية المسلسل «يلّي بدو يتحدّى هاي الحارة مين قدا»، ولا ينتهي المقطع قبل إيصال افتراضي للطحين إلى «ثوار» الغوطة الشرقية، ثم إطلاق نداءات إلى رئيس فرع «المخابرات الجوية» جميل الحسن. اعتبرت النداءات الفيديو بمثابة رسالة واضحة للحسن وللرئيس السوري بشار الأسد الذي توعّدوه بالذبح في ساحة الحارة.
«باب الحارة» الذي شغل الناس وقوبل باتهامات عدة، عاد صنّاعه لإنجاز جزءين منه (السادس والسابع) في دمشق، إضافة إلى الحديث عن أعمال من شاكلته. هذا الأمر دفع «لجنة صناعة السينما والتلفزيون» في سوريا إلى منع ظهور أيّ حالة إسقاطية على الواقع قد تُفهم من أحداث المسلسل، خصوصاً أنّ مناصري المعارضة من روّاد العالم الافتراضي استغلوا ظهور علم الانتداب في «باب الحارة» الذي اتخذته «الثورة» عَلماً لها، وراحوا يروّجون للفكرة. هكذا، أصدرت اللجنة أخيراً تعميماً يحمل الرقم 909/ص بتاريخ 22/12/2013 ممهوراً بختم وتوقيع رئيسها بسام المصري، وقد توجّهت فيه إلى منتجي المسلسلات الشامية خصوصاً. طلبت اللجنة من المنتجين عدم التورّط في شراء نصوص من دون الحصول على الموافقة عليها، ثم أوردت بعض الملاحظات التي يجب على صنّاع تلك الأعمال، خصوصاً المخرجين، التعهّد بمراعاتها وهي: عدم ظهور صورة لعلم الانتداب (العلم السوري سابقاً)، عدم ذكر كلمات مثل «ثوار الغوطة» أو «ثوار» أيّ منطقة أخرى. كذلك يجب الانتباه إلى أن الشيخ ليس المرجعية الوحيدة للإشكالات التي تحصل في الحارة، والتركيز على دور المرأة الحضاري ودور التعليم والمثقفين، وتظهير الجانب الحضاري وليس المتخلّف لدمشق. وذكّر التعميم بحساسية الظروف التي تشهدها البلاد، وضرورة مراعاة هذه النقطة. كذلك نبّه من تصدير أيّ عمل خارج سوريا إلا بعد أخذ موافقة «الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون»، وطلب من المنتجين تقديم اعتراضاتهم أو اقتراحاتهم للجنة كونها المدافع الوحيد عن حقوقهم واستثماراتهم.
لدى اتصال «الأخبار» باللجنة للوقوف على حيثيات هذا التعميم «الجدانوفي»، أفاد مكتب الأمانة بأنّ بسام المصري هو المخول الوحيد للحديث عن الموضوع لكنّه خارج البلاد حالياً. ويبدو أنّ تعميم اللجنة المسؤولة عن تنظيم العمل الدرامي يحمل جزءاً مهماً عبر فرض تظهير الجانب الحضاري لدمشق، والابتعاد عن تكريس قيم الجهل التي نجح «باب الحارة» في تسويقها، إضافة إلى الابتعاد عن مسألة المرجعية اليتيمة وتفرّد شيخ الجامع بها، وإظهار المرأة بالصورة الصحيحة التي كانت عليها في دمشق، بعيداً عن الاختباء وراء الحجب والإذعان المطلق للرجل كما يظهران في المسلسلات الشامية. لكن اللجنة ووراءها وزارة الإعلام وقعا في مأزق حين فرضا الابتعاد عن مرحلة تاريخية يستحيل محوها، فالتوصية أو التعميم فرض عدم إظهار «علم الانتداب» الشهير الذي رفعته سوريا بعد الاستقلال عن المستعمر الفرنسي حتى أيام الوحدة مع مصر، وعادت إليه عند الانفصال لغاية وصول حزب «البعث» إلى السلطة.
الغريب أنّ إظهار هذا العلم يسجّل ضد المعارضة السورية الحالية التي تتخذه علماً لها الآن. ويستمرّ المأزق من خلال السعي وراء حظر أيّ إشارة إلى مرحلة وطنية مهمة يفتخر بها جميع السوريين، وهي مرحلة النضال المسلح ضد الاستعمار الفرنسي. يأتي هذا التعميم المربك متأخّراً سنوات بعدما استفحل تأثير الأعمال الشامية التي ربما أسهمت في تشكيل وعي متأزم سارع أصحابه إلى حمل السلاح في وجه الدولة.

* للاطلاع على الوثيقة أنقر هنا




أبو شهاب «مش راجع»

بمجرد الحديث عن تصوير جزءين جديدن من «باب الحارة»، سارع الممثل السوري سامر المصري، الذي لعب دور «أبو شهاب» في المسلسل، إلى الكتابة على فايسبوك «مش راجع، كلها إشاعات منشان يخلوكن تشوفوا المسلسل». في اتصال مع «الأخبار»، يوضح المصري المقيم حالياً في الإمارات «كتبت ذلك لأن اسمي يُذكر بمجرد الحديث عن المسلسل». وعن آخر أخباره، يقول «لا أزال في طور قراءة نص مسلسل «حرملك» (كتابة خلدون قتلان)، ومن المفترض أن ألعب دوراً أساسياً فيه مع المخرج سيف الدين السبيعي». ويضيف أنه يحاول بجهود فردية أن يقدم عملاً مسرحياً «ستاند أب كوميدي» يجول به في دول عربية وغربية. وأوضح أنّه شارف على إيجاد مخرج لمشكلة جواز سفره الذي رفضت السفارة السورية في الإمارات تجديده.