في رمضان 2012 قدمت شركة «موبينيل» دعاية تلفزيونية بعنوان «عشان لازم نكون مع بعض»، حقّقت رواجاً هائلاً. اعتمدت الدعاية التي أخرجها أحمد عبد الله على التجول بالكاميرا في أرجاء مصر، وأداء أغنية جماعية بلهجات وألحان تنوعت بتنوع الثقافة المصرية، من سمسمية القناة إلى مواويل الصعيد، ومن الغناء النوبي إلى «المهرجانات» الشعبي. قيل آنذاك، بسخرية، إنّ الأغنية عبّرت عن تنوع المصريين، أكثر بكثير مما فعله الدستور الذي أقرّه الإخوان بعد ذلك بأسابيع.


هو الدستور أيضاً، أو تعديلات الدستور التي كانت مدخلاً إلى «دعاية» مشابهة، أخرجتها هذه المرة ساندرا نشأت بعنوان «شارك ـ خليك فاكر»، الذي انفرد بعرضه الحصري الأول تلفزيون «النهار»، مقدماً إياه تحت تصنيف «فيلم وثائقي ـــ تسجيلي» تارة، و«استفتاء وثائقي» طوراً، وكلها تصنيفات غير دقيقة، ليس فقط لأن الفيلم لم يعتمد على «وثائق» كما هي الحال مع «الوثائقيات»، ولم يوجّه «الممثلين» كما هي الحال في «التسجيلي»، بل أيضاً لأن صيغة الأمر المستخدمة في عنوان الفيلم «شارك»، تبتعد عن الحياد التوثيقي، وترتبط بلا شك بالتسويق الدعائي.

استخدم فيلم «شارك» الفكرة نفسها لإعلان موبينيل «مع بعض»، بالتجول في محافظات مصر وقراها، برفقة شريط صوت موسيقي متنوع، إلا أنّه بدلاً من التيمات الفولكلورية المرافقة لكلمات أغنية «موبينيل»، استخدم فيلم نشأت أغنيات لمشاهير من مواليد تلك المحافظات. تدخل الكاميرا شوارع المنيا بصحبة صوت ابن المحافظة أحمد عدوية «عجبي عليك يا زمن بترسي ناس على البرّ»، وتزور الإسكندرية مع موسيقى سيد درويش في «أهو ده اللي صار» وإن كانت بصوت فيروز هذه المرة. وفي طهطا، نستمع إلى محمد طه «انت الأصيلة يا مصر وكلنا عارفين»، إلا أنّ الأغنيات ليست وحدها المتحكّمة في شريط الصوت، تلجأ المخرجة إلى الأصوات المميزة لكبار آخرين، في أحاديث إذاعية ولقاءات متنوعة، فنستمع إلى يوسف وهبي، ابن الفيوم، متكلماً عن المساواة و«حب الناس لبعض»، ولصوت نجيب محفوظ، القاهريّ الأول، مبشراً بـ «مصر اليوم مجاهدة وغداً ظافرة».
أما هدى سلطان، ابنة طنطا، فنسمعها تؤمن بالأمل «ما دمت عايشة». غير أن تلك الأصوات الرائدة، والموسيقى «الأصيلة»، تبدو من عالم آخر، بعيد، إزاء موضوع الفيلم ومفرداته: «نعم» و«السيسي» المفردتان الأكثر تكراراً وتأكيداً. إنهما تأكيد على شعبية الجنرال المؤكدة في الشارع، لكنها أيضاً، ابنة «المونتاج» والإخراج الاحترافي لساندرا نشأت، فثمة أصوات قليلة تقول «لا للدستور»، لكنها، على قلّتها تظهر في الشريط بأقل من الاستحياء. تظهر الـ «لا» مرة في الفيوم وصاحبها ينحني على قاربه وظهره للكاميرا، بينما يتنصل منه رفيقه صاحب «النعم»، ومرة ثانية يقول صاحبها بالإنكليزية سريعاً «ضد الانقلاب- anti coup» وهو يواصل الحديث في الهاتف، وثمة ثالث لا يلفظها بلسانه بل يشير بإبهامه إلى أسفل وينطلق بسيارته سريعاً. هذا، بينما تبدو «النعم»، واضحة، راسخة، مبتسمة، معتادة الظهور أمام الكاميرا: «نعم عشان البلد تمشي»، «نعم عشان السيسي موافق على الدستور»، «نعم عشان الشبابات»، «نعم عشان ضد اللي يخرب مصر»، «نعم عشان نستقر». ويدمج أحدهم الكلمتين، فيقول «نعم للسيسي»، فيلومه رفيقه: «مش السيسي بقى، ما تقعدش تطّبل (تنافق)، بنقول نعم للدستور». لكن يبقى الدمج أو دونه، مجرد تفاصيل. الواقع أن السيسي، و«30 يونيو»، والدستور، كتلة واحدة، وخط سياسي واحد. هذا ما يدركه «بسطاء» الفيلم بلا جدل بيزنطي، تماماً كما أنّ الفيلم نفسه، خطوة دعائية، مصنوعة بجودة وإتقان وإيقاع جذاب، وإن كانت على عكس البسطاء، تحاول إخفاء الدعاية خلف أوصاف السينما الوثائقية.