كان | بعد مشاركتين متفاوتتين بـ «سكّر بنات» (نصف شهر المخرجين – 2007) و«هلّأ لوين؟» (نظرة ما ــ 2011)، تكرّس اسم المخرجة اللبنانية نادين لبكي، هذه السنة، في مصافّ الكبار، لتكون بذلك أوّل مخرجة عربية تنافس على «السعفة الذهبية» بفيلمها «كفرناحوم» (تشاركت لبكي كتابته مع جهاد حجيلي، وميشال كسرواني ــ بالتعاون مع جورج خبّاز، وبمشاركة خالد مزنّر). منافسة لم تُدخلها على مدى سبعة عقود من عمر المهرجان سوى 82 سينمائية، في مقابل 1649 سينمائياً.

شكّل «كفرناحوم» واحدة من المحطات النسائية الأكثر تألّقاً في هذه الدورة، بعد أن خيّبت الإيطالية أليس روهواتشر الآمال التي عُلقت على جديدها «سعيد مثل لازارو»، فيما تباينت آراء النقاد بخصوص «بنات الشمس» للفرنسية إيفا أوسون. فبالرغم من بعض الشطط الميلودرامي الذي شاب الجزء الأخير من فيلمها، إلّا أنّ لبكي استعادت في «كفرناحوم» ذلك النفس الحميمي الذي صنع فرادة باكورتها «سكّر بنات».
بفضل الأداء المبهر لبطليه الطفلَيْن، السوري زين الرافعي، والإثيوبي بولواتيفي تريزر بانكوله، غاص الفيلم عميقاً في عوالم المسحوقين والمهمّشين، ليكشف عن وجه آخر غير معروف وغير متوقّع للبنان. وجه قبيح يعبق عنصرية وعنفاً وطائفية. انطلقت المخرجة اللبنانية من المشاهد الفاقعة لجلسة المحكمة، التي يتقدّم خلالها الطفل «زين» بشكوى ضد والدَيْه، معيباً عليهما أنّهما أنجباه من دون أن يكونا مؤهّلين لمنحه الحب والرعاية اللتين يستحقهما، ومطالباً المحكمة بإصدار قرار بمنعهما من الإنجاب مجدداً، لتتخذ منها خيطاً أحمر تتفرّع عنه، وتتداخل من خلاله، حكايات متشعّبة عن الواقع المزري للفئات المهمشة في لبنان، سواء المُعدمون من أبناء البلد أنفسهم الذين يعانون التهميش والإقصاء، أو المساعدات المنزليات اللواتي يعانين من مختلف أشكال الإجحاف والعنف والاعتداء، وصولاً إلى اللاجئين السوريين الذين تُسقَط عليهم كل العيوب المزمنة للشخصية اللبنانية، من نزعات طائفية وإقطاعية وتسلّطية.
هذه التيمات المتداخلة، التي اندرجت ضمن سيناريو مُحكم، جعلت من الفيلم صوت من لا صوت لهم، وهو ما يؤهّله، من دون شك، لنيل واحدة من جوائز هذه الدورة من مهرجان «كان».
لكنّ وتيرة مفاجآت العروض الأخيرة تسارعت خلال اليومين، بما من شأنه أن يقلب الطاولة على توقّعات النقاد. ومن أبرز هذه المفاجآت تحفة من كازاخستان، عرضت أمس، بعنوان Ayka للمخرج سيرغاي دفورتسيفوي. تحفة تراجيدية أبهرت جمهور الكروازيت من خلال بورتريه مؤثّر لعاملة تنظيف كازاخية مغتربة في موسكو.
والأرجح أن تضاف إلى هذه المفاجآت تحفة جديدة للتركي نوري بيلج شيلان، التي شاءت مصادفات البرمجة أن تكون آخر عرض في المسابقة الرسمية. بالتالي، لم تتسنّ لنا الفرصة لمشاهدتها قبل كتابة هذه الأسطر. لكنّ «سوابق» المعلم التركي تجعل من المستبعد أن يخرج خالي الوفاض من حصاد جوائز هذه الدورة.