«حكايا الناس والأمكنة في بيروت» حكايةٌ في أربعةِ فصولٍ، وخاتمة: المدينة، البيت... والتكنولوجيا


1 - الفصل الأول: الهياكل الإنشائية الحديثة والمصاعد
غزت التقنيَّاتُ الحديثةُ ومنها تقنياتُ البنيان، مجتمعاتِ البلدانِ الصناعية، باكراً. وعَرفت مدنٌ عديدةٌ في أميركا وأوروبا، «المباني- الأبراج»، منذ ما يزيد عن قرنٍ كامل. فنبتت هذه المباني كالفطر، في شيكاغو (1)، وفي نيويورك (2) وفي سان فرانسيسكو، وفي غيرِها. هيكلُها معدنيٌّ صلبٌ مزخرفٌ في أعلاه، غِلافُها زجاجيٌّ شفَّافٌ، فيها المكاتبُ والمساكنُ، والمقاهي، والمطاعم. وفيها، قبل كلِّ ذلك، المصاعد الجبَّارة، تنقلُ الناسَ، من الرصيفِ إلى قمَّةِ الأبراجِ، في دقائقَ، لا بل في ثوانٍ.
وعرفَ الناسُ هناكَ قبلَ ذلك، كيف يتسمَّرونَ على مقعدِ قطارٍ، ويستسلمونَ لإيقاعِ صفـَّاراته، ويتركونه ينقُلهم إلى المدنِ العتيقةِ والجديدة. خَبِرَ الناسُ هناك، تجربَة اجتيازِ المسافاتِ الشاسعةِ وهم جلوسٌ، ووجدوا فيه متعةً كبيرةً، فأقاموا في القطاراتِ الصالاتِ، والمطاعمَ، والمقصوراتِ الفخمة.

بيروت المنتظمة ــ بيروت الأفقية / طوابق الروف... والأسقف المزروعة

أما أن يقفوا جماعات في علبةٍ مزروعةٍ عند أقدامِ «المباني - الأبراج»، تَصعدُ بهم إلى قِمَمِها، وأن تُسمَّى العلبةُ هذه مِصعداً، أما أن يستغنوا عن الأدراجِ، ويستبْدِلوا الجهدَ المُضنيَ الذي تقومُ بهِ أجسادُهم لصُعودها، بالوقوفِ في علبةٍ لا تلبثُ أن ترتفع بهم نحو السماء، بقدرةٍ غيرِ مرئيَّة، ففي الأمرِ لذَّةٌ تسكنُ العقولَ، مع صعودِ الأجسادِ نحو السماءِ وهي بلا حراكٍ، ساكنة.
جميلٌ، أن تعملَ التقنَّيةُ عنَّا قال محدِّثي. نجلسُ، فتنقُلنا على هوانا بين المدن. ونقِفُ، فترفعُنا، وعلى هوانا أيضاً، من الأرصفةِ إلى القِمم.
ثمَّ طوَّرتِ التقنياتُ صناعة البنيان، قلتُ بعدَه. طوَّرت الهياكِلَ الإنشائيَّة، وطوَّرتْ معها المصاعدَ، فازدادَ ارتفاع المباني، وعمَّت الأبراجُ مُدنَ العالمِ الصناعيِّ المتقدِّمِ، وكثُرتْ ناطحاتُ السحاب.
وانفلشتْ موجةُ التقنياتِ تجتاحُ العالَمَ، قلتُ متابعاً، فوصَلَت إلينا. ووصَلَتْ معها الهياكلُ الإنشائيةُ الجديدةُ، ووصلتْ أيضاً، المصاعدُ. فازداد عددُ الطوابقِ عندنا.
إلا أن ارتفاعَ المباني ظلَّ في عاصِمتنا معتدِلاً خلال أربعةِ عقودٍ ونيِّف، ولم تقُمْ الأبراج. برجانِ فقط ارتفعا فوق السطوحِ، «برج المر»، و«برج رزق».
وشاءَ التوازنُ الضروريُّ خلال الحربِ، أن يكونَ الأولُ في غـربِ بيروت، والثانـي، في شـرقِها. فصارَ البرجـان بذلـك، من معالـمِ المدينةِ البـارزة.
وسكن الميسورون آنذاك فوقَ السطوحِ، في طابقٍ صاغه القانون خصِّيصاً لهم. واستعارَ له اسماً من لغةِ الزمنِ الراهنِ، وسمَّاه بالعربيةِ «طابق الروف» (3). مجالاتٌ للسكنِ واسعةٌ، أمامَها سطوحٌ فسيحةٌ تُزرْعُ أو تبلـَّطُ، وتُطِلُّ أحياناً، على المدى الممتدِّ بلا نهاية.
* ومنِ فوقِ السطوحِ الفسيحةِ المعتدلةِ الارتفاع، بقي البحرُ في متناولِ الساكنين. وبقيَ الرصيفُ قريباً، وصوتُ الباعةِ المتجوِّلين يطالُ الآذان. واستمرَّ الناسُ يتخاطبون عَبر الشوارعِ. واستمرَّت السلالُ تتدلَّى من الشرفاتِ حتى بوَّاباتِ الدكاكين.
* من فوقِ السطوحِ المعتدلةِ الارتفاع، زيَّنَ حرشُ بيروت المدينةَ بكامِلها، وحافظتْ الساحاتُ على قياساتِها المتناسقةِ، فالتقى الناسُ فيها، وفيها تنفَّستْ المدينة.
* من فوقِ السطوحِ المعتدلةِ الارتفاع، رأينا الطرقاتِ تتلَّوى داخلَ الأحياءِ. ورأينا الجبالَ البعيدةَ، كما رأينا أيضاً التلالَ القريبةَ بصَنَوبرِها وبسِنديانِها. واستمرينا نرى حدودَ المدينة.

2 - الفصل الثاني: المدينةُ بلا حدود، وأبنيتُها أبراجٌ
أما في العقودِ الثلاثةِ الأخيرةِ، وفي العقدِ الأوَّلِ من الألفيةِ الثالثةِ خاصةً، فقد اشتدَّ سُعارُ «الإعمارِ»، وانتشرَ البنيانُ بلا ضَوابط، فتمدَّدت المدينةُ (بيروت) على الساحلِ بكاملِه. وتسلَّقـت مُعظَم التلالِ. فتخطَّت المثَّلثَ الجميلَ الذي قامتْ عليه، وضاعتْ حدودُها. وفقد الإعمار بذلكَ دورَه الأساس، في إكمالِ المُعطى الطبيعي الذي قامت عليه المدينة، وفي شَرحِه. فالنسيجُ المدينيُّ لا يدلُّ على تَضارِيسِه. والشوارعُ الجديدةُ لا تشيرُ إلى مُنْبسطَاتِه. والعِمارةُ الزجاجيةُ اللمَّاعةُ، لا تَحكي عن عُشقِه للبحر.
والعلامةُ الفارقةُ، وسطَ هذا الصخبِ العارمِ، هي كثرةُ «المباني - الأبراج» التي انتشرتْ في كلِّ الأمكنةِ، تُكِّرُر ذاتَها ببلادةٍ ظاهرة.
وتؤكِّد طفرةُ الأبراجِ هذه، أن مرحلةَ «طابقِ الروفِ» قد انتهتْ إلى غيرِ رجعة. وكانتْ بدايةُ نهايتِها طويلةً، مثلما كانت الحرب، من بدءِ العملِ بالمرسوم رقم 3/80 (طابق المر)، حتى تعديل قانونِ البناءِ في عام 1983، مروراً بالتعديلات التي جرت في أول السبعينات، ووصولاً إلى التعديلِ الأخير في عامي 2005 و2007.
* انتهتِ المرحلةُ، وانتهتْ معها مُتعةُ العيشِ عندَ السطوحِ، والإحساسُ من هناك بالساحاتِ، وبالأرصفةِ، وبالطرقاتِ المتعرِّجةِ، وبالناسِ يتنزهون أمامَ واجهاتِ الدكاكين.
* انتهتِ المرحلةُ، وانتهتْ معَها القدرةُ على رؤيةِ حدودِ المدينة، بتلالِ الصنوبرِ تزنِّرُها، وبالبحرِ يُرسِلُ تكسُّر أمواجهِ، آهاتٍ تصلُ إلى داخلِ البيوت.
فالطوابقُ العليا في «المباني- الأبراج» متشابهةُ الإطلالةِ، واحدةُ العلاقةِ بمحيطِها. يُطلُّ زجاجُ غلافها على زجاجٍ مقابل، أو على بحرٍ ناءٍ. يقتصرُ حُضورُه على لونٍ أزرقٍ، يتوحَّدُ مع السماءِ في الأفقِ البعيد.
وحدها الأوتوستراداتُ الجديدة، الواسعة، والمستقيمة، حاضرةٌ بوقاحةٍ وسطَ المشهدِ المدينيِّ العام. فهي تُمزِّق المدينةَ، وتقتحِمُ حُرمةَ المنازلِ، وتفاجئ الناسَ في بيوتِهم من الشبابيك.
ويظهرُ في أحدِ أطرافِها المطارُ عملاقاً احتلَّ مُعظَم الضلعِ الجنوبيِّ من مثلَّثِ المدينة. ويظهرُ في طرفِها الآخرِ المرفأُ، وقد احتلَّ مُعظَمَ الضِلعِ الشماليِّ للمثلث.
* من زجاج «المباني- الأبراج»، المدينةُ شبكاتٌ، وأوتوستراداتٌ، وجسور. المدينة مطارٌ، ومرفأٌ، وأنفاقُ عبور.
* من زجاج «المباني- الأبراج»، المدينةُ سطوحٌ متتابعةٌ، متراصَّةٌ، ممتدَّة بلا حدود، تسكُنها الصُحونُ اللاقطة (4)

3 - الفصلُ الثالث: المدينة، البيت... والتكنولوجيا
حنينُك إلى الرصيفِ، وإلى النوافذِ فوقَه، وإلى الباعةِ المتجوِّلين، وإلى السلالِ تتدلَّى من الشرفاتِ، حنينُك هذا، لا ينتَمي إلى هذا الزمن، زمنِ التكنولوجيا والشبكاتِ، قال بعدما استمَع إلى أُطروحَتي.
أقولُ ذلكَ، لأنني عرفتُ زمناً جميلاً غابراً، سارَ فيه الناسُ على الأرصفةِ، حين كانتْ تُوصِلُهم إلى الساحاتِ، وإلى الحدائقِ، وإلى بواباتِ بيوتِهم، وإلى أماكنِ عَملِهم.
عرفتُ زمناً غابراً، كانتْ فيه الأرصفةُ تحدُّ مسارَ الشوارعِ. فرأيتُ فيها آنذاك، مجالاً فيه يلتقي الناسُ ويتسامرونَ، ومنهُ إلى دورِ السينما يدخلُون، وفي المقاهي القائمة عند أطرافهِ يجلسون.
تتغنىَّ بالحيِّزِ العامِّ كما تُحب أن تسمِّيه، مُستَعمِلاً مُصطَلحاً تُريدُه مختصَّاً، والرصيفُ جزءٌ منه، ولكن!؟ ولكن لماذا الرصيف!؟ قال بصوتٍ عالٍ!
فلا حدائق يوصِلُ إليها، ولا ساحات يربِطُ بينها‍!
لا مداخُل لعماراتٍ تطِلُّ عليه، ولا بوَّابات لدورِ السينما تحاذيه!؟
لماذا الرصيف!؟ لماذا الفسحة!؟ لماذا الساحة!؟ لماذا كلُّ هذه العجقةِ من المُسمَّياتِ العتيقة!؟
* الحيِّزُ العام!؟ مكانُ اللقاء!؟ مكانُ التواصل!؟
الحيِّزُ العام!؟ في هذا الزمن، زمن التكنولوجيا والشبكات!؟ هو في المطارِ، قالَ، حيث المجالاتُ الواسعةُ، وحيثُ المقاهي، ومطارحُ التواعد.
* الحيِّزُ العام!؟ مكان اللقاء!؟ مكان التواصل!؟
هو في المجمَّعات المبنيَّةِ الكُبرى، وفي المولاتِ تحتلُّ كلَّ المواقِع (5)، حيث المدى الرحبُ المغلقُ، وحولَه دورُ السينما بالعشراتِ وبآلافِ المقاعدِ، والمقاهي على اختلافها، والدكاكينِ الراقيةِ على تنوُّعِها، وشاشاتُ التلفزةِ معلَّقةً في كلِّ الأرجاءِ، تبثُّ الإعلاناتِ ملونةً وقحةً.
* الحيِّزُ العام!؟ مكانُ اللقاءِ!؟ مكان التواصل!؟
هو في مرآب البناءِ الضخمِ حيثُ تسكن، وحيثُ تأخـذُ سيارتَـك الضائعـةَ فيـه، تدلُّك مفكِّرةُ هاتِفك الذكيِّ على موقِعها. فتنطَلِقُ إلـى مرآبِ المولاتِ، التي تحدُّ الأوتوستـراداتِ فـي كلِّ صوب. تتنزَّه في المول. تتسوَّقُ، إذ إن كلَّ المتعةِ في زَمنِنا هي في التسوُّق. تجلسُ في مقاهيه، تفرحُ بالأخضرِ المزروعِ في أرجائه كلَّما افتقدتَ الطبيعةَ. ثمَّ تعودُ بعدَها إلى مرآبِك، فإلى مصعدِك، وبه إلى منزِلك في الطابق العِشْرين، المعلَّقِ في طرفِ السماء، بعيداً عن الأرضِ الصلبة. كلُّ ذلك دون أن تمرَّ بالرصيف.
* الحيِّزُ العام في هذا الزمن!؟ مكانُ اللقاءِ!؟ مكانُ التواصل!؟
هو في «الكونتري كلوب»، درَّة الرفاهيَّةِ، المزروعِ في حضنِ الصنوبرِ المتبقِّي فوق أحد التلالِ القريبةِ، تَصِلُه بسرعةٍ إذا إخترتَ الأوتوسترادَ الملائم. يقودُك المِصعدُ، إلى مِصعدٍ آخر في بطنِ التلَّةِ المشجَّرة. وفي طرفِ المسارِ الآلي المُبرمَجِ هذا، كلُّ الرفاهيةِ، وكل المتعة: السَّونا، والجاكوزِّي، وحمَّامُ البخار، والتدْليك، والأيروبيك، والرياضاتُ المختلفةُ، وعياداتُ عملياتِ التجميلِ المزروعةِ في كلِّ الأمكنة. هل نسيتُ شيئاً!؟ سألَ بصدق.

بيروت المنتظمة ــ بيروت الأفقية / الطوابق المتراجعة... والأسقف المزروعة

وبعدَ كلِّ ذلكَ بالطبع، تابعَ قائلاً، الكافتيريا المتخصِّصَة بكلِّ أنواعِ «الريجيم»، تقومُ بدورِها في صقلِ جسدِك وفي نحتِه، ليبقى نحيلاً، رشيقاً، منتصباً.
* الحيِّزُ العامُّ!؟ مكانُ اللقاءِ!؟ مكانُ التواصلِ!؟ في زمن الشبكات والتكنولوجيا!؟
اجلس على مَقعدِك الوثير، استرخِ. حرِّك أصابع يدِك على أرقامِ هاتفك المُبالغِ بذكائِه، وقد أصبحَ ملوناً بلونِ عينيك، وتحدَّث مع من تشاءَ ساعاتٍ إذا أردت. قل له، أو قل لها، أو قل لهما، إنك تفضِّل الذهابَ بعد الظهرِ إلى المطار لسرعةِ الوصولِ إليه، شرطَ أن تَستعمِل أوتوستراد المطار الخاص، وإِنَّك سوف تُعرِّج في الطريقِ على المخازن الكبرى BHV، لتشتري كيساً من «البوشار» تلتهِمُه، وأنتَ تشاهدُ الفيلمَ الأميركيَّ الأخير الذي يُعرض في مبنى فندق «الغولدن توليب-غلِّيريا»، وقد قرأتُ ذلكَ على الانترنت.
* الحيِّزُ العام!؟ مكانُ اللقاءِ!؟ مكان التواصل!؟ في زمن الشبكات والتكنولوجيا!؟
قلُ لمخاطِبك، الذي تركَ لكَ رسائلَ عدة على هاتفكَ الذكيِّ، بعدما عَجزَ عن مخاطَبِتِكَ، قل له إِنك ستبقى في الطابقِ العشرين حيثُ تسكن، بجانبِ برج الأحلامِ هل تَعرِفُه!؟ قل له بأنك ستعزُلُ نفسَك عن كلِّ من حولَك، كما لو كنتَ في «فقـَّاعةٍ» من البلاستيك الشفَّاف، وستتسمَّرُ أمامَ الفضائيات تبثُّ كلُّها على شاشةِ تلفزيونك، وستتنقَّلُ من فيلمٍ أميركيٍّ إلى فيلمٍ أميركيٍّ آخر، حتى أطرافِ الليل. ستبكي عدد القتلى في الفيلمِ الأولِ. وستأسفُ لعددِ الجرحى في الفيلمِ الثاني. وستُحصِي جلساتِ المحاكمةِ (الكورت) في الفيلم الثالثِ، دون أن تفهمَ تردُّدَ المحلَّفين، قبلَ وصولهِم إلى الجوابِ الحاسمِ، مذنبٌ!؟ هو، أم غير مذنبٍ!؟
* الحيِّزُ العام!؟ في زمن الشبكات والتكنولوجيا!؟
قل لمخاطِبـك الذي يُلـحُّ ليلتقي بك، في ساحةِ البـرج، هل نسيتَها!؟ قل لهُ إِنك ستلقـاه فـي «موقِع الأصدقاء» على الانترنت عند الساعةِ العاشرةِ صباحاً. طمئنهُ، بأنك سترسل لهُ صورتَك، مع القبلات.

4 - الفصلُ الرابعُ: في زمن التكنولوجيا... البيتُ الذكي (6)
في مجالاتِ المدينةِ المتحوِّلةِ هذه، قلتُ مُكمِّلاً خطابَ محدِّثِي الطويل، تكثرُ زُحمة السياراتِ في الشوارع ويندُر المشاة. إذ نادراً ما يغادِرُ الناسُ الفقَّاعاتِ التي ينْسجُونها حولَهم. وإذا شذَّ أحدُهم مرة، أو إحداهنَّ، فإنك تراهُ/ تراها مهرولةً بثيابِ الرياضةِ المُتقنةِ، لتُزيلَ سُمنةً إضافيةً ظهرتْ في أجزاءٍ حسَّاسةٍ من جسدِها وِفقَ المعايير الرائجة، ولم تنفَعْ معها الجاكوزي، والسونا، ورياضةُ الجمالِ الجسماني، وكلُّ أنواعِ «الريجيم». لم تنفعْ معها كلُّ عملياتِ التجميلِ التي أجرتْها.
إلا أنك لا تَراها تَمشي كما تَمشي أنتَ، بل تراها تُهروِل، تابعتُ قائلاً، وقد ارتدت «فقـَّاعة» عازلةً من نوعٍ آخر. سَّماعتان ثبَّتتْها على أذنيها، ووصلتها بمسجِّلة إلكترونية ذكيةٍ، وضَعتْها في جيبها. تبثُّ المسجِّلةُ دونَ انقطاعٍ موسيقاها المفضلة. تخدِّرها كما تفعلُ الفقَّاعةُ، أمام الشاشاتِ المتنوِّعةِ، في زمننا الالكتروني هذا. شاشةُ الألعابِ الالكترونية، شاشةُ الحاسوبِ الموصولِ «بالويب» الموصولِ بالشبكة، أو شاشةُ التلفزيون.
سألتُ مرةً أحدَ المُهروِلين أو إحدى المُهرولاتِ، لم أعد أذكر بدقةٍ، عن الموسيقى التي تبثُّها مسجِّلتُها، والتي تُدمِنُ على الاستماع إليها بمثلِ هذا النهم.
سيلين، قالتْ، وقد صدَمَها جهلي... سيلين، قالتْ مرةً أُخرى بإعجابٍ يصلُ إلى حدِّ العبادة، إنها سيلين، كرَّرت مرة ثالثة، وهل أستمعُ إلى غيرها، سيلين ديون. ألا تعرفُ أنها باعتْ ملايينَ النسخِ من ألبومِها الأخير!؟
تكثرُ، تابعتُ، في دورياتِ الغرب، الكتاباتُ المتنوِّعةُ عن العديدِ من «الفقَّاعاتِ» العازلةِ، التي ينسُجُها الناسُ حولَهم، مستعملين كلَّ ما تيسَّرَ من التقنياتِ، والتكنولوجيا، تفلُّتاً من المجتمعِ، وبحثاً عن الفردِ الحرِّ، الفردِ المُطلقِ، الفردِ «الفريد».
ويُصرُّ المنظِّرون على دورِ التكنولوجيا المتقدِّمة في صِناعةِ هذا الفردِ، إلى درجةِ التأكيدِ أنها هي، وحدَها، القادرةُ على تأمينِ فرديَّةِ الفردِ الكاملةِ، وتأمينِ حريتِه المُطلقة.
وحريةُ الفردِ هذه، وفقَ المنظِّرين، تُقاس بمعيارٍ واحدٍ، هو درجةُ مهارتِه في استعمالِ التقنياتِ المعقـَّدة، التي عَليها أن تَصْنعَ كلَّ تفاصيلِ حياته، وصولاً إلى غيابِ التقنيَّة، عَبْر ذوبانِها في الإنسانِ الفردِ، ذاتِه.
إذ إنَّ هذا الإنسانَ الفردَ، الذكيّ، الخارق، الذي يُتقن باطـِّرادٍ استعمالَ التقنياتِ المعقَّدة، يسيرُ بالضرورةِ، وهو في طريقهِ لتحقيقِ فرديَّته، وفرادَته، نحوَ صيرورةٍ تجعلُ منه كائناً هجيناً، نصف آلي، ونصف إنساني (7) وما الآلي فيه، إلا هذه القفزةُ النوعيةُ التي تسمحُ له بتجاوزِ مُعيقاتِ تطوُّره ورقِّيه، والتي يسبِّبها، كلُّ ما هو إنسانيٌّ فيه.
انتهت مرحلة «طابقِ الروفِ» وانتهتْ معها مُتعةُ العيشِ عندَ السطوح


الرقيُّ من منظورِهم، هو أن تَخْسَر إنسانيَتك، وتستَبدلها بتقنيَّة.
هل تعلم، قلتُ لمحدِّثي بعد ذلك؟ أن الإنسانَ الراقي في المستقبلِ القريب، لن يسكنَ البيوتَ العاديَّة، التي تَفرضُ عليه الكثيرَ من الأعمالِ التافهةِ، وتُجبِرُهُ بالتالي على الخروجِ من فقَّاعةِ فرديَّتِه، وأحاديته؟ هل تعلم؟ تابعتُ، أنَّ بيته سيكونُ بالغَ الذكاءِ، في المطبخِ، وفي الصالونِ، وفي الحمامِ، وفي المرآبِ، وفي كلِّ مكان؟ (6)لن يغادرَ الإنسانُ الراقي بيتَه قلتُ متابعاً، لن يغادرَ «فقـَّاعته». ومكتُبه الذي سيبقى في بيتهِ، سيكونُ ذكياً هو الآخر.
في المطبخِ،
• ركوةُ القهوةِ التقليديَّةِ، استُبدِلَت بغلاَّيةٍ كهربائيةٍ ذكيَّةٍ، تُسجِّلُ مواعيدَ عملِه اليومي، وتحضِّرُ لهُ القهوةَ تلقائياً، في موعدِ استيقاظه.
• والبرَّاد الذكيُّ، يُسجِّلُ مدَّةَ صلاحيَّة عُلبةِ الحليبِ، ويطلبُ من البائعِ علبةً جديدةً عند انتهاءِ هذه المدَّة.
• وغسَّالةُ الصحونِ، التي لاحظَتْ أن مسحوقَ التنظيفِ قد تغيَّر، تُرسِل بالبريد الإلكتروني رسالةً إلى مُصنِّعِها، تطلبُ منه أن يعدِّلَ برنامجَ عَملِها، ليتلاءَم معَ المسحوقِ الجديد.
وفي الحمَّام،
• سوف يقرأُ ساكنُ البيتِ الذكيِّ، أخبارَ الصباحِ مكتوبةً على زُجاجِ المرآة أمامَه.
• وسيُراقِبُ المِرحاضُ آلياً صِحَّة أفرادِ العائلةِ، بتحاليلَ يُجريها بشكلٍ دوريٍّ.
• وستتعرَّفُ عليهِ الخِزانةُ - الصيدليَّةُ، بتحاليلَ تجريها بصورةٍ فوريَّةٍ، فتفتحُ أبوابَها أمامَه، وتسمحُ له بتناولِ عِلاجه اليوميِّ، في حينِ تَبقى مُقفلةً في وجهِ الأطفال.
أما في الصالونِ حيثُ الأثاث كثيرٌ، والأجهزةُ الإلكترونية لا تُحصى،
• فسوفَ يعمُّ النورُ آلياً عند الضرورة.
• وسوفَ يُحدِّد الصبيُّ، الذي يتنَّقلُ بواسطةِ التحكُّمِ عن بعدٍ، من الحاسوبِ، إلى الفيديو، إلى التلفزيونِ، إلى الألعابِ الالكترونيةِ، مكانَ وجودِ كلبِه، الذي يحمِلُ طوقاً ذكياً.
أما المكتبُ في البيتِ، فهو خارقُ الذكاءِ، وعلى مُستعمِله أن يجلسَ على مقعدِه فقط.
• فمساعدهُ المقيمُ في طُوكيو، يطبعُ لهُ عن بعدٍ، كلَّ الملفاتِ الضرورية، في الوقتِ الذي انصرفَ هو فيه، إلى تسجيلِ الصحفِ اليوميَّةِ على لوحتِه الرقمية، وإلى جمعِها برباطٍ ذكيٍّ، يوصلُها بملفَّاتٍ مسجَّلة على الحاسوب.
• ثم يقرأُ مفكرَّته الإلكترونية التي سجَّلت كلَّ مواعيده. وسينقلُ إليه هاتُفه الذكيُّ كلَّ المستجدَّات.
• أما الكاميرا - الفيديو، التي لاحظتْ توتُّره، فسوفَ تعرضُ عليهِ برنامجاً ترفيهياً، منقولاً عن الألعابِ الإلكترونية، التي يَلهو بِها الصبيُّ في الصالونِ (6)

5 - الخاتمةُ
يطمئِنُنا المنظـِّرونَ، المهتمُّونَ بصناعةِ الكائنِ الآلي «الروبوت» (ROBOT) قلتُ لمحدِّثي، إن هذه الصناعـة تتقـدَّم، وأنهـا تخطـو خطـواتٍ أكيـدةً نحـو النَجـاح، بموازاةِ مسيرة «الإنسان البشريِّ» نحو صَيرورتِه كائناً هجيناً نِصفهُ آليٌّ، كما يبشِّرون.
وتُنتِجُ الشركاتُ المختصةُ في أميركا، وفي اليابان اليوم، «روبوتاتٍ» تستطيعُ أن تقومَ ببعضِ الأعمال المنزلية، وتساعدَ الناس العجَّز، وتُرسلَ البريدَ بواسطةِ الفيديو، وتتلقَّى الأجوبةَ وتُسجلها على شاشةِ الحاسوب. كما أنها أصبحت قادرةً على الكلامِ بمفرداتٍ متزايدة. وقد أصبحَ لها دورٌ أكيدٌ في الطبِّ، وفي بعض الجراحات. وهي قادرةٌ اليومَ، أن تُنتج موسيقاها، التي لا يمكن لأحدٍ، أن يميزها عن الأداء البشريّ (8)
إنها باختصار تتطوَّر قلتُ، وستكون شكلاً، وقياساتٍ، وقماشةً، مثل الإنسان البشريِّ العاديّ. ولن تكونَ، كائنات مرافقة فقط، كما كانتْ عليهِ أجيالُ «الروبوتات» السابقة.
و«روبوتات المرافقة» هذه تذكـِّرني، تابعتُ قائلاً، بالسيداتِ الأنيقات في البلدانِ الصناعية المتقدِّمة، يتبختَرْنَ في الشوارعِ، وفي المراكزِ التجاريَّةِ الكُبرى، وفي المقاهي. ويتبادلْنَ الزياراتِ ومعهنَّ كلبٌ أو قطُّ يرافقهنَّ. وللكلبِ أو للقطِّ، في المنزلِ الخالي من الأطفالِ في مجتمعاتِ الكهولِ هذه، غُرفتُه الخاصَّةُ، وسريرُه الذي يُشبِهُ سريرَ سيدتِه، وله طعامُه تختارهُ سيدتُه أيضاً، وله حمَّامهُ، وثيابهُ، والكرسيُّ الخاصُّ الذي يجلسُ عليه، بإختصارٍ لهُ كلُّ شيء.
وله قبل أي شيءٍ آخر، «طبيبهُ النفسي» يعاينهُ دورياً. والسيدةُ الأنيقةُ التي ترتَدي أفخمَ الأزياءِ من تصميمِ أرقى الدور، تطلبُ من دور الأزياءِ هذه، أن تصمِّم لكلبِها مِعطفاً، من الفِراء ذاتِه الذي صنَعتْ منه مِعطفَها، ورداءً، من قِماشةِ فُستانها، وعقوداً وحلىً، مثلَ عُقودِها وحُلاها.
توقفـتُ لحظـةً، ثم قلــتُ لمحدِّثـي، ماذا لو تطوَّرت صنـاعةُ «روبوتاتِ المرافقة» هذه، فأنتجت «روبوتاتٍ» كالإنسان تماماً، يُتقنُ الكلامَ ولكنَّه، أمينٌ، ومطيعٌ، كالكلبِ تماماً.
ترتَدي السيدةُ الأنيقةُ فستاناً للسهرةِ، من تصميمِ دارِ كريستيان ديور، رمادياً فاتحاً مشكوكاً بالفضَّةِ، فتغدو السيدةُ الأنيقةُ متلألئةً عندما ترتَديه. وتُلبسُ «الروبوتَ»، بذلةً كُحليَّةً داكنةً من تصميمِ دارِ كريستان ديور أيضاً، وربطةَ عنقٍ مُشَّعةٍ، قماشتُها من قماشَةِ فُستانها. تضعُ في عنقِها عقداً من اللؤلؤ الأسودِ، وتضعُ طوقاً من اللؤلؤ ذاتهِ حولَ عنقِ الروبوتِ ثم تجرُّه، يرافِقُها في السهرةِ. أفلا يكونُ «الروبوتُ»، في مثلِ هذهِ الحالةِ مرافقاً للسيدةِ، أفضلُ من كلبها؟ وماذا لو عَزفَ لها مُسِيْقَاه للترحيبِ بها عند وصولها!؟ (8)
أحسنتْ، قال محدِّثي. أرى في هذا التصوُّر مخرجاً لمأزقِ صناعةِ «الروبوت». إذ، ماذا سيكونُ عملُ «الروبوتِ» عندما يُصبح الإنسانُ البشري «نصفَ روبوتٍ»، وعندما تُصبِح كلُّ البيوتِ «روبوتات» كاملة.
هل علينا؟ في مثلِ هذه الحالةِ، قلتُ لمحدِّثي، أن نكرِّرَ كما اعتدنا أن نفعلَ، أن الأفضلَ، وأن الأَرقَى، وأن الأكْثرَ تقدُّماً، هو دائماً أمامنا.
أم علينا؟ أن نتساءَلَ عن معاييرِ التقدُّمِ .... أضافَ محدِّثي، قبلَ أن ينصرف.
* معمار لبناني

المراجع بالإنكليزية والفرنسية
1- Nikolaus Pevsner – Pioneers of Modern Design – a Pelican Book – Penguin Books – 1964.
2- Rem Koolhaas, New York Délire – un manifeste rétroactif pour Manhattan – Editions Parenthèses 2002.
6- Le Courrier international (plusieurs nos).
7- Antoine Picon – La ville territoire des cyborgs- Les editions de l’imprimeur 1998.

المراجع بالعربية
3- قانون البناء. ما سمِّي مشروع إيكوشار.
4- صور جوية لبيروت الكبرى.
5- صور جوية لبيروت الكبرى.
8- جريدة «الأخبار» – الثلاثاء 17 نيسان 2018.