لا ريب أن الدراما المصرية تعيش اليوم عصراً زاهياً، إذ يمكن الحديث على الأقل عن خمسة أو ستة أعمال في رمضان الحالي يمكن القول عنها بأنها تستحق المتابعة. نحنُ لا نحكي هنا عن أعمال بمستوى «ليالي الحلمية» أو «المال والبنون» بالتأكيد، لكننا نتحدّث عن قصص يمكن المراكمة عليها كي تتحول إلى أعمال جيدة بعيداً عن المستهلَكْ المباشر فقط. واحدٌ من هذه الأعمال هو «فوق السحاب» للمخرج رؤوف عبدالعزيز والمؤلّف حسان دهشان، مع النجم هاني سلامة وكوكبة من الممثلين الشباب يمكن القول بأنَّ القادمة بقوة ميرنا نور الدين هي أبرزهم.

تحكي قصّة المسلسل حكاية «ماندو» رجل العصابات الغارق في قصص الجريمة المنظمة مع مافيا الجريمة العالمية. يبدأ المسلسل بوجوده في سجنٍ روسي، ليخرج منه بحيلة جميلة، ويذهب إلى المجر ثم إلى فرنسا حتى عودته إلى حارته الشعبية في مصر. خلال تلك الرحلة، نتعرّف إلى عائلته القريبة: والده «الدب» في ظهور مميز للممثل المصري المحبب ابراهيم نصر «المحشش» طوال الوقت، زوجة أبيه التي ربّته مع المميزة عفاف شعيب التي تقدم دور الحجة نعناعة الطبيبة الشعبية التي تمارس سحراً وشعوذة يظهران بوضوح في المسلسل في لعب على فكرة الخوارق الموجودة في ذهن الشارع المصري اليومي. شقيقته سمكة التي تؤدي دورها بإتقان ميرنا نور الدين، التي تخطف ببساطتها وسهولة أدائها البريق حتى ممن يفترض أن تكون «بطلة» العمل ستيفاني صليبا. الأخيرة تؤدي دور تاليا فتاة العصابات الروسية التي تتعرّف إلى عائلة ماندو وتقدّم نفسها على أنّها خطيبته. يلعب توني ماهر دور شقيقه «كاريكا» مشجع فريق الأهلي (يسمونه بالمحلّية «كابو» لأنه يقود الجماهير التي تسمّى ultras عادةً). كل هؤلاء يضافون إلى شقيقته وفاء (منى عبدالغني) التي تعيش في الخارج مع زوجها مدمن الكحول كمال (إيهاب فهمي) التائب الذي يصبح إسلامياً متشدداً وابنتهما ياسمين (اسمها الحقيقي أيضاً ياسمين). يقارب المسلسل قضايا كثيرة بشكلٍ سريع وأحياناً غير مدروس. مثلاً يقترب من موضوع العنصرية الغربية تجاه «المحجبات» والإسلاموفوبيا؛ متجاهلاً تأثير الحركات الإسلامية على المجتمعات الغربية. لاحقاً، يعود إلى مقاربة القضية ذاتها من خلال سلوك الشيخ أبو كنانة (يؤدي دوره القدير محمود جمعة) الذي يمارس حد «الجلد» على ياسمين بطريقة وحشية. طبعاً يغرق المسلسل في دراميته بعيداً عن مقاربة «تأثير» هذا الفعل على المجتمع الأوروبي؛ وهو لربما كان يبرر «سلوك» بعض الأوروبيين الذين كانوا يمتعضون من وجود «وفاء» المحجّبة بينهم وفي مجتمعاتهم. يؤخذ على المسلسل «عنفه» الشديد، إذ لا تمر حلقة حتى اللحظة من دون مشهد عنف سواء ضرب أو تعذيب أو ظهور أسلحة بيضاء أو نارية. وهو يطرح سؤالاً حول افتتان مدهش بالعنف كطريقة لجذب الجمهور والمشاهدين.

واحد من أبرز ما يمكن الحديث عنه في المسلسل هو مشهد مرّ في حلقته الأولى. تظهر تحية للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حيث يهرب ماندو إلى مطعم يديره شيف عربي. ماندو سرعان ما يجد أمامه صورة عبدالناصر معلّقة على الحائط، فيتحدّث بالعربية مع الشخص أمامه، مشيراً إلا أنّه عربي مثله، فيساعده الشخص، مؤكداً أنه لم يفعل ذلك إلا لأجل «هذا» (مشيراً إلى الصورة) مؤكداً إنه «أبو الكل» في لمسة «وطنية/ قومية» وتحية للزعيم الراحل.
أدائياً، لا يمكن القول إلا أن هاني سلامة يمتلك نوعاً خاصاً من الكاريزما التي لا تجعله قريباً من القلب، لكنه مقنع إلى حد كبير بالشخصية التي يؤديها، وإن كانت تقترب كثيراً من شخصيات كان قد لعبها سابقاً، مثل «ليل» في مسلسل «طاقة نور» العام الفائت، أو «مراد» في فيلم «السفاح» (2009). أما اللبنانية ستيفاني صليبا القادمة من مسلسلات محلية مثل «متل القمر» (أنتجته قناة «أم. تي. في» اللبنانية) فهي لا تزال حتى اللحظة في بداياتها التمثيلية. وبخلاف شعرها الأشقر، و«الدلع» اللبناني «الكليشيه» في المسلسلات المصرية (ومع أنها تؤدي دور روسية في المسلسل، لكن ذلك لا يمنع مثلاً إبراهيم نصر من ممازحتها باللبناني مثالاً، ربما لأنها تتحدث بتلك اللكنة) لا تقدّم الشابة الجميلة أي شيء جديد. وهي بالتأكيد تحتاج إلى أن تخرج من عباءة كونها eye candy (التعبير التقني الذي يشار به إلى الفتاة الجميلة التي تستخدم «لتجميل» الأعمال). ميرنا نور الدين تقدّم واحداً من أجمل أدوارها. تخرج من عباءة أنها فتاة جميلة، وتقترب عبر مكياجها وحركاتها الجسدية من «بنت الشارع» المصرية «الجدعة» التي تجهد للحفاظ على زواجها والإنجاب من زوج لا ينفع في أي شيء ويؤدي دوره شادي ألفونس الذي عرفناه مع باسم يوسف ثم لاحقاً مع «SNL بالعربي». لكنّ أداءه يبدو ممطوطاً وسخيفاً حتى في لحظةٍ ما. في الإطار عينه، يغرق المسلسل في قصص جانبية لا حاجة لها سوى ربما إطالة أمد المسلسل، وهذه القصص ليس لها حاجة في البنيان الدرامي على الإطلاق.
إخراجياً، يمكن الحديث كثيراً عن أنَّ المخرج رؤوف عبدالعزيز يحاول قدر الإمكان تقديم مشاهد «مثيرة» و«مشوقة». يساعده في ذلك نص متوازن حتى اللحظة، وميزانية تبدو مرنة (إذ يصوّر في أماكن متعددة وبلاد كثيرة). يحسب للمسلسل كذلك تتر البداية الجميل الذي يؤديه المغني الشعبي سيد إمام الذي كتب الكلمات كذلك. في المحصلة هو عمل يمكن متابعته بسلاسة كما أي مسلسل أميركي من النوع نفسه، وهو أمر يحسب له ضمن حسناته، كذلك يمكن المراكمة عليه في أجزاءٍ أخرى، لأن شخصية ماندو، كما كل شخصيات العمل تمتلك أبعاداً وعمقاً، فهل نحن أمام سلسلة من القصة نفسها هذا يكون أوّلها؟



«فوق السحاب»: 18:00 مساء على «أم. بي. سي. دراما»
21:00 مساء على «إيه أرتي حكايات»