لم نلحظ جيداً لون البحر، صبيحة الخامس والعشرين من أيار عام 2000. بالأحرى، لم نكن ننظر إليه بتاتاً. كنّا نعرف أنه جزء من الديكور المحيط بنا، في تلك المدينة المتوسطية. كنّا مجموعة من الكتّاب اللبنانيين المدعوين إلى «مارسيليا» (الفرنسية)، لإقامة سلسلة من الندوات والقراءات وتواقيع كتبنا. بعد نزولنا من الفندق، اجتمعنا في المقهى الرصيفي الملاصق له، كي ننتظر باصّ المنظمين لينقلنا إلى مدينة أخرى من مدن الجنوب الفرنسي. كان ينقص وصول عباس بيضون وإلياس خوري، الذي ما إن أتى، حتى زفّ إلينا نبأ انسحاب جيش العدو كاملاً من الأراضي اللبنانية. كان إلياس الوحيد من تابع الأخبار، من على إحدى الفضائيات العربية. سرعان ما صرخنا، فَرَحاً، بما حدث، ولم نعد نرى شيئاً. لم نعد ننظر إلا إلى وجوهنا وضحكاتنا. تاهت أفكارنا وعيوننا وكأنها ترغب في العودة سريعاً، لرؤية ما يجري على مساحة خريطة تلك البلاد التي كنّا قد غادرناه قبل أيام قليلة.

ربما تغير لون البحر في تلك اللحظة. هو المتوسط عينه، لكنه حمل معه كل عذاب أولئك الرجال وألمهم، الذين عاهدوا أنفسهم قبل أي شيء آخر. حمل معه أكثر من بارقة أمل. حمل انتصاراً لا يمكن نكرانه حتى من أولئك الذين لم يعجبهم ما حدث. مثلما لا يمكن إنكار تلك الحقيقة الدامغة: لن تحدث أي حرب «طائفية» أو«أهلية» عقب هذا الانسحاب، بل سيكون عيداً حقيقياً، وهو السؤال الذي لم يتوقف عن طرحه، كلّ من التقينا به، خلال المناقشات والطاولات المستديرة. هي لحظة، لا يمكن أن تتكرر بما حملته من وعي، بما حملته من آمال جديدة يمكن البناء عليها، لتغيير، ولو جزءاً، من هذا التاريخ الأسود الذي يربض على أنفاسنا.
25 أيار؟ لنقل هو بداية وعي جديد. بداية مرحلة جديدة، تأكدت بعد سنوات في حرب تموز، وتتأكد راهناً في كل لحظة. هو أكثر من عيد للتحرير. هو اجتراح هوية نحن بحاجة إليها، كي تعيد صوغ إنسانيتنا، ومعنى وجودنا، فوق هذه البقعة من الأرض. لا يمكن فهم عيد التحرير، على أنه مجرد مقاومة انتصرت فقط فوق أرض الميدان. هي مقاومة انتصرت في النفوس والعقول، قبل أي شيء آخر. ربما لذلك كله، نجد اليوم، هذا الهجوم الشرس على ما تمثله هذه المقاومة، إذ ثمة كثيرون لا يرغبون في إعادة صوغ معنى هويتهم وثقافتهم.
قبل أن تحرر أرضاً، عليك أن تجد القدرة على تحرير نفسك من كل الأفكار التي تقيدك. هذا – أعتقد ذلك – ما تجلى في 25 أيار من عام 2000. وربما صحت هنا أمنية قصيدة خليل حاوي:
يعبرون الجسر في الصبح خفافا
أضلعي امتدت لهم جسرا وطيد
من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق
إلى الشرق الجديد.