خلال السنوات القليلة الماضية، لم يكن عابد فهد في أفضل أحواله. منذ أن ظهر في لقائه الشهير مع نيشان وراح ينتقد عمله «لو» (عن فيلم Unfaithful - إخراج سامر البرقاوي) قررت شركة «الصبّاح برودكشن» أن تستبدله بنجم «الوسامة السوري» تيم حسن في مشاريعها اللاحقة، فكانت فرصة للأخير كي يكتسح السوق اللبنانية.

بدوره، انسحب عابد فهد نحو مشاريع مختلفة، لكنّها لم تكن موفقة. قدّم دور «حسن الصبّاح» في مسلسل «سمرقند» (2017 ـ إخراج إياد الخزوز) من دون أن يفكّ عنه النحس في «أوركيديا» (كتابة عدنان العودة ـ إخراج حاتم علي). إذ لم ينقذه أداؤه المحترف في سياق العملين الرديئين. أيضاً، لم توفّق تجربة «24 قيراط» (ريم حنا والليث حجو). هكذا، كان عليه أن يبحث عن مشاريع أكثر أهمية، علّها تعيده إلى الصفوف الأمامية التي يستحق أن يبقى فيها. وبالفعل، أسهم فهد في تقريب وجهات النظر بين السيناريست السوري اللامع سامر رضوان وشركة «إيبلا الدولية للإنتاج الفني» (هلال أرناؤوط) في مسلسل «دقيقة صمت» (قيد الكتابة وسيكون من بطولة فهد).
لكنّ العشر الأولى من رمضان تكفي للقول بثقة بأن مجد عابد فهد لم يندثر، وبأن عجلته الإبداعية عادت إلى سكّتها القويمة. في هذا الموسم، اعتذر عن عدم أداء دور شخصية «هارون الرشيد» (كتابة عثمان جحى وإخراج عبد الباري أبو الخير) لصالح حضوره كضيف شرف في العمل نفسه، وبطولته المطلقة في «طريق» (عن قصة «الشريدة» لنجيب محفوظ سيناريو وحوار سلام كسيري وفرح شيّا وإخراج رشا شربتجي). في هذا المسلسل، يكشف الممثل السوري أن فهمه لفنّ التمثيل لا يتوقّف عند عفويته وفطرية موهبته العميقة، رغم أن مفهوم الأداء المعاصر يتطلب التركيز على هاتين النقطتين. لكن فهد متكئاً على تاريخه الطويل من دون تخرّجه من أي أكاديمية للتمثيل، ينجز في شخصية «جابر سلطان» واحدة من القواعد الذهبية التي رسّخها المعلّم الروسي فيسيفولد مايرهولد حول تكنيك الممثل، و«البايوميكانيك» (ميكانيكية الجسم). بمعنى أن يتمكّن الممثل من ترجمة الشعور الدرامي عن طريق الحركة النموذجية، وهو ما يفعله بطل العمل، بتحوّله إلى ماكينة أداء. فهم فهد حال الشخصية وبنى لها تاريخاً، ثم صاغ مع الـ «ستايلست» وباقي فريق العمل شكلها الخارجي، وركّب لها طبقة صوت خشنة، وأفعالاً مطابقة لجوهرها النفسي، وبدأ اللعب على فكاهتها وجانبها الطريف، لتكون النتيجة عبارة عن كاركتير نموذجي جديد على تاريخ الممثل، لم يسبق للدراما العربية أن قدّمت شبيهاً له. يسرح فهد ويمرح بتركيز عال، خاصّة لدى تطعيم السياق الأدائي بنكهة ساخرة. فكلّ من يعرفه عن كثب، يدرك حسّه الكوميدي العالي، وسرعة بديهيته وحرفته في صياغة النكتة!

فهم حال الشخصية وبنى لها تاريخاً، ثم صاغ شكلها الخارجي


بعد «طريق»، يحتاج نجم «الولادة من الخاصرة» للعودة إلى بيته الكوميدي القديم. فمن ينسى دوره في «البناء 22» (إخراج هشام شربتجي) ولعبه بالقرب من «بهلول» (الممثل الراحل عصام سليمان) أو حضوره المتكرر في «مرايا» ياسر العظمة؟ على أي حال، لم يكن هذا النجاح الواضح يتيماً هذا الموسم، بل زاده وكرّسه أكثر، التباين الحاد في الصياغة الأدائية لشخصية الخليفة العباسي «موسى الهادي» التي يؤديها في مسلسل «هارون الرشيد». تحضر هذه الشخصية في الحلقات الأربع الأولى من العمل، فتعطيه مساحة مضافة للتشويق والشغف. يلعب عابد هنا في «أرضه وبين جمهوره» أي في النوع التاريخي الذي بنى له شهرة طائلة، وصنع اسمه في مراحل تأسيسية. هو «جسّاس بن مرّة» في «الزير سالم» (ممدوح عدوان وحاتم علي) و«الحجّاج» (جمال أبو حمدان ومحمد عزيزية) و«الظاهر بيبرس» (لغسّان زكريّا ومحمد عزيزية). أما في العمل الجديد، فهو الخليفة المهووس بالكرسي والراغب في عزل شقيقه هارون الرشيد، وتولي ابنه الطفل جعفر ولاية العهد. يبطش «الهادي» ويقتل ويفتح أبواب سجونه بانطباعات و«ري أكشنات» خاصة. يقفز صاحب الشخصية كبهلوان، يخطف قلب مشاهده، ويأسر انتباهه وربمّا يجعل متلقيه ببراعة شغله على وشك التعاطف معه، رغم أنه ليس صاحب حق! أخيراً ترديه أمّه «الخيزران» بالسّم (تؤدي الدور بثبات مدهش النجمة سمر سامي) فيموت بمشهد ختامي يعلق في الذاكرة. يمكن القول بثقة عالية بأن عابد فهد هو نجم الموسم دون منافسة هذا العام على الأقل بين سوريا ولبنان!

* «طريق»: 22:30 على mtv و17:00 على mbc4
* «هارون الرشيد»: 21:00 «روتانا خليجية» و«ART حكايات 2» ـ 5:00 على «نايل دراما»، 16:00 على «المحور» ــ 01:00 على «النهار دراما»