قد لا يكون مفيداً البحث في خلفيّات مسلسل «طريق» (عن قصة «الشريدة» لنجيب محفوظ سيناريو ـ حوار سلام كسيري وفرح شيّا ـــ إخراج رشا شربتجي ــ إنتاج شركة الصبّاح)، على اعتبار أننا نشاهد مسلسلاً ثلاثينياً مأخوذاً عن قصة قدّمت مرّة كفيلم مصري («الشريدة» إخراج أشرف فهمي، بطولة نجلاء فتحي ومحمود ياسين ــ 1982)، بخاصة أن تصريحات صنّاع العمل تضاربت حول مرجعية المسلسل، بمعنى أن المشروع لم يكن واضح المعالم، ثم تخلت الجهة المنتجة فجأةً عن السيناريست السورية ريم حنا، واستعانت بكاتبة ناشئة هي كسيري، دخلت معها على الخط كاتبة ثانية، هي شيّا. تلت ذلك حالة «عسكرة» على النص بمنطق الورشة بين الكاتبتين ونجمي العمل عابد فهد ونادين نسيب نجيم، ومخرجته رشا شربتجي. سريعاً، احتل المسلسل مكانته لدى الجمهور، وسط حالة متباينة في مزاج التلقي. بعضهم أربكه الشرط الواقعي للحكاية، وشخصياته الحياتية. ربما كان ينتظر تشويقاً وأجواءً مافيوية، أو خيانات زوجية. على الضفة الأخرى، انسجم آخرون مع مقترح الحكاية، وتماسكها والاجتهاد الأدائي العميق للنجم عابد فهد وبنائه كاركتيراً جديداً (راجع المقال أدناه)، إضافة إلى تخلي نادين نجيم عن التركيز على جمالها، وظهورها محاميةً تعرّضت سابقاً لحادث حرق ترك آثاره البالغة على جانب من وجهها، ويدها اليمنى، فراحت تخفي تلك التقرّحات بشعر مستعار وكفٍّ أسود. المسلسل ينطلق من حكاية المحامية أميرة بو مصلح (نادين نسيب نجيم)، وهي مسحوقة مادياً، تعيش مع عائلتها في بيت تلحقه بقالية، ومحطة وقود شبه عاطلة من العمل بسبب فرعية الطريق الذي تقع عليه. تتعرض العائلة لضغط من صاحب العقار (مجدي مشموشي) الذي يحصل على حكم محكمة بإخلاء المستأجرين بنيّة بيعه لتاجر المواشي واللحوم السوري جابر سلطان (عابد فهد). تتصاعد الحكاية وفق مبررات درامية منطقية، وبصيغة سلسة تعلو رويداً رويداً نحو الذروات المشوّقة، ولو بتراتبية هادئة. إلا أنها تترك المشاهد وسط فضول متوهّج، وطرح إشارات استفهام، ووضع سيناريوهات محتملة لتباغته بحلول قد تكون مختلفة عما يتنبأ به. محاولة اغتصاب أميرة في مكتب رجل الأعمال الفاسد، ثم طريقة استنجادها بـ «الديلفيري» قبل اتصال المجرم بالنائب العام ليستعين بحظوة علاقاته الفاسدة معه، ضد امرأة مستضعفة، لكنها شخصية جذّابة بصلابتها وعنادها وغزارة معرفتها بحقوقها، واعتدادها بمهنتها. تلت ذلك طريقة تنفيذ مشهد الخطف، وقتل سائق التاكسي وخطف سهيل شقيق جابر المُقعد (يلعب الشخصية بخفة ساحر، المخضرم عبد الهادي الصبّاغ) يليه اقتحام الدرك لمطعم «السلطان»، ثم صدم سيّارة عابرة لشقيقة أميرة (زينة مكي) أثناء ممارستها رياضة الجري اليومية. «التجزير» الذي يحصل على أبواب مشافي لبنان لمن لا يملك تأميناً أو ضماناً صحياً، كل تلك المشاهد تمرّ في «طريق»، لتكون بمثابة مفاتيح منطقية مترفة بالواقع اللبناني الذي قلّما يمرّ عليه مسلسل مشترك أو محلي. كذلك تترك فرصة للتوغل في هوامش قصصية جديدة، أو تتحوّل إلى ستائر ختامية تسدل عند نهاية بعض الحلقات، عساها تخلق شغفاً مضاعفاً إليه وحماسة تجاه ما يمكن أن يراه تباعاً.

فعلياً، لم تبدأ قصة الحب حتى الآن، لكن النسج حولها بهذا الاشتباك مع اليومي والمعيش في لبنان يعطي انطباعاً إيجابياً لما يمكن أن نراه لاحقاً، على أن تكون قصة الحب مجرّد خط مبرر في مشهدية العمل وتنويعاته المتوقعة لاحقاً. يمكن القول إنه حتى الحلقة التاسعة، تطل نادين نسيب نجيم للمرة الأولى كممثلة وصلت إلى سويّة محترفة وندّ حقيقي، تشتغل بعمق على ثبات النظرات ولغة الجسد وردود الفعل وطبقة الصوت. كلّ ذلك بعيداً عن سياق عرض الأزياء الذي كانت توضع فيه سابقاً. ويحسب لرشا شربتجي هنا شغلها على ممثليها ومحاولة تمرير كل ما يتاح في العمل الفني لمصلحتهم كي يتمكّن هؤلاء من القبض على الجمهور!

* «طريق»: 22:30 على mtv و17:00 على mbc4