القاهرة | في مجتمع يعبق بالحنين إلى الماضي، ويعيش على فوهة بركان، ويعاني من القمع السياسي، كما لم يحدّد موقفه من المرأة أو الحب أو الحريات الشخصية، يأتي هذا المسلسل ليجذب جمهوراً عريضاً من الطبقة الوسطى. العمل الذي تدور أحداثه في بورسعيد الأربعينيات، يتّكئ إلى أدوات «المايسترو» هاني خليفة الذي أحاط نفسه بجيش من الموهوبين، وإلى نجاح سماء عبد الخالق وإنجي القاسم في «اقتباس» مجموعة من «الحواديت» المستهلكة محلياً وعالمياً بطريقة «قابلة للتصديق».

في اللقطة الأولى من الحلقة الأولى لمسلسل «ليالي أوجيني» (تأليف إنجي القاسم وسماء عبد الخالق عن مسلسل إسباني، وإخراج هاني خليفة، وإنتاج شركة Beelink للمنتج محمد مشيش ــ cbc، و«دبي»، وOSN) يضعنا صنّاع العمل في ماضٍ يعود لأكثر من سبعين عاماً، عن طريق تقويم على الحائط تقوم يد إحدى الشخصيات بنزع ورقة عنه. لكن مثلما هو الحال في الفن دائماً، المعلومة ليست مهمّة، بل الطريقة التي تصل من خلالها.
قبل أن يبدأ المشهد حتى، تدخلنا مقدّمة المسلسل إلى عالم من الألوان والملابس والديكورات المقتبسة من الأربعينيات، وأغنية أنثوية رقيقة تتكلّم عن الحب المستحيل، بصوت نسمة محجوب. بانتهاء التتر، تمتد يد خادم نوبي لتنزع ورقة من التقويم، ويقول جملة تمهّد للموقف والحوار المقبلَيْن. استخدام التقويم لتحديد الزمن، والخادم لتحديد الطبقة التي تنتمي إليها الشخصيات، هما أيضاً وسيلتان نمطيّتان من سينما الأربعينيات المصرية. ومع ظهور الشخصيات والحوار الذي يدور بينها، نشعر بأنّنا أمام عمل يحاكي تفاصيل الحياة في تلك الفترة، من العمارة والديكور إلى الملابس وتصفيفات الشعر والماكياج وشكل الشوارب، وحتى اللهجة العامية القديمة التي تتحدّث بها الشخصيات... أو على الأقل يحاكي الصورة السائدة عن تلك الفترة كما عبّرت عنها السينما المصرية وقتها.

التصوير، وتصميم الملابس، والموسيقى، والممثلات... أبرز عناصر النجاح


هكذا من اللحظة الأولى، يسحبنا «ليالي أوجيني» إلى طريق ملتفّ، ومنحدر، ومبتل بالمطر، ونصف مضيء، مفعم برغبات غير متحقّقة، وشوق غير مشبع، وحنين إلى الماضي لا يرتوي. هذا الحنين هو لبّ وقلب «ليالي أوجيني»، كما أنّ الطريقة التي يتم توليده بها هي الخدعة الكبرى للساحر. والساحر هنا هو المخرج هاني خليفة الذي يخلط عناصره بمقادير وطريقة معيّنة، فتدبّ الحياة في الصور.
القصة مثلاً هي أقلّ العناصر أهمية في هذا العمل، وعلاوة على أنّها «مقتبسة» من مسلسل إسباني معروف اسمه «أكاسياس 38»، فهي مجرّد تجميع للقصص الميلودرامية «الفاقعة» التي عاشت عليها السينما الإسبانية والمصرية في الأربعينيات، قبل أن ترثها مسلسلات الـ «سوب ــ أوبرا» التركية والمكسيكية والهندية وغيرها.
هذه القصص كان يمكن أن تتحول إلى «كيتش» مبتذل على يد مخرج آخر، غير أنّه لدى خليفة موهبة لا تبارى في معالجة القصص الجماعية المتشابكة، خاصة تلك التي تتعلّق بالعواطف وشؤون القلب، وفي اختيار الممثلين وتوجيههم، كما ظهر في فيلمه الأوّل «سهر الليالي» (2003). لقد نضجت هذه الموهبة عبر أعماله، وزاد عليها امتلاكه لناصية إخراج الدراما التلفزيونية، التي انتقل إليها أخيراً مثل كثيرين من مخرجي السينما. في «ليالي أوجيني»، يثبت أيضاً قدرته على معالجة الأعمال التي تدور في مراحل تاريخية قديمة (Epics)، وتعدّ من أصعب الأنواع الفنية، نظراً لما تحتاجه من بحث، وتدقيق، واهتمام بالأشياء الصغيرة، ومعايشة الممثلين لشخصيات لم يعرفوها وعالم لم يختبروه. وكلّها أشياء تحتاج إلى وقت لا يُتاح عادة للدراما التلفزيونية، خاصة الرمضانية.
هاني خليفة قد يكون المايسترو، لكنّ براعته تكمن في أنّه أحاط نفسه بكتيبة من الموهوبين، كل في مجاله، لا سيّما على صعيد التصوير، وتصميم الملابس، والموسيقى، إضافة إلى فريق الممثلات: أمينة خليل (كريمان أو كريمة)، وكارمن بصيبص (عايدة)، وأسماء أبو اليزيد (جليلة)، وإنجي المقدم (صوفيا)، ومريم الخشت (نبيلة)، ونادين (لولا). كلهن بدون كما لو أنهن مصابات بمس الأربعينيات!
بطرس غالي (صدقي بيه، صاحب «تياترو أوجيني») ومراد مكرم (عزيز)، هما الأكثر تميّزاً بين الرجال. ورغم الملاحظات التي يمكن تسجيلها حول أداء بطل العمل ظافر العابدين (فريد)، خاصة مخارج ألفاظه التي تحتاج إلى تدريب مكثّف، إلا أنّه اختيار موفّق من نواحٍ كثيرة أخرى، مثل هيئته، ولغة جسده، وطبيعة شخصيته «الجوانية».
«الحواديت»، مرّة ثانية، هي آخر ما يهم في «ليالي أوجيني»، مع أنّ كل العناصر الأخرى لا شاغل لها سوى تعزيز تصديقنا لها. كاتبتا المسلسل سماء عبد الخالق وإنجي القاسم نجحتا في «اقتباس» هذه الحواديت المستهلكة محلياً وعالمياً بطريقة «قابلة للتصديق». هذه «القابلية» ميزة يجب أن يتسم بها أي عمل جيّد، وكثيراً ما يطلق عليها محرّرو الصفحات الفنية تسمية «واقعية»، مع أنّ الفرق كبير بينهما، لأنّنا قد نصدّق في الفن أشياء لا تمت إلى الواقع أو المنطق بصلة!
كاتبتا المسلسل نقلتا الأحداث إلى مدينة بورسعيد المصرية الساحلية الشهيرة بجغرافيّتها وتاريخها السياسي. اختيار يفتح في خيال المشاهدين المصريين والعرب مساحة للتأمّل والحنين، ومن ثم التصديق. المؤلفتان استطاعتا أيضاً صياغة شخصيات حيّة، خاصة النسائية منها، قريبة من الواقع المصري، وكذلك من الصور المطبوعة في الذاكرة عن نساء تلك المرحلة، كما أنّهما كتبتا حواراً قريباً من العامية القديمة إلى حدّ ما… مع أنّ هذه المهمة كان يمكن إنجازها بشكل أفضل بكثير.
من نواحٍ أخرى، أسهمت عناصر الإخراج المتعدّدة في ترسيخ هذا الشعور بالتصديق، لكن العنصر الأكثر أهمية هو استعداد جمهور «ليالي أوجيني» نفسه للتصديق.
من الملاحظ أن أغلب الأعمال الدرامية المعروضة حالياً تنتمي لنوع الميلودراما، ولا عمل ينطبق عليه هذا الحكم أكثر من مسلسل «ليالي أوجيني»، كما لا صفة من صفات الميلودراما لا تنطبق عليه.
تدور الميلودراما، بداءة، في المدينة، خاصة الحديثة، الكوزموبوليتانية التي تلتقي فيها الأعراق والجنسيات ووسائل الاتصال الحديثة (الهاتف والسيارة والغرامافون)، كما تصطدم فيها أنماط الحياة القديمة بالحداثة. الميلودراما هي وليدة المدينة، والحداثة، والصدمة التي تعانيها المدن التي غزتها الحداثة.

بطرس غالي ومراد مكرم، هما الأكثر تميّزاً بين الرجال


حبكات القصص الميلودرامية «مهلهلة»، وفضفاضة، والسرد فيها متشعّب، وخيوطه غير متماسكة. تُبنى شخصياتها بطريقة «استقطابية»، إذ تنقسم الشخصيات إلى طيّبين مفرطين في الطيبة، وأشرار مفرطين في الشرّ. والموضوع الرئيس فيها هو أخلاقي، يتعلّق بالخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والكرم والجشع.
بالرغم من أنّ الميلودراما «تتجاهل» السياسة عن عمد، إلا أنّ حبكاتها العاطفية غالباً ما تكون قناعاً لمناقشة الصراع الطبقي، والطائفية، والعنصرية، والقمع السياسي، وحرية المرأة، بطريقة مجازية وغير مباشرة. الشخصيات النسائية هي عماد الميلودراما، والمرأة البطلة في الميلودراما غالباً ضحية بريئة للرجال، والظروف، والتقاليد. في المقابل، هناك الغاوية الشريرة، والحماة أو العجوز القاسية، سليطة اللسان.
الأثر الأساسي الذي تسعى الميلودراما لإحداثه في نفس المتفرّج هو الشعور بالشفقة على البطل/ ة الضحية. وللوصول إلى هذا الهدف، تستخدم كافة الوسائل، مثل الانفعالات المبالغ فيها، والموسيقى، والغناء، والإبهار البصري بأنواعه.
في مناخ يعبق بالحنين إلى الماضي الرومانتيكي، ومجتمع لما يزل يراوح مكانه بين «الأصالة» و«الحداثة»، ويئنّ بالحروب الأهلية بأشكالها، ويرزح تحت القمع السياسي بألوانه... مجتمع لم يحدّد بعد موقفه من المرأة، أو الحب، أو الحريات الشخصية، يأتي «ليالي أوجيني» في وقته، ليضرب وتراً لدى فئة لا بأس بها من جمهور الطبقة الوسطى المتعلّمة، خاصة النساء.

* «ليالي أوجيني»: 00:00 على cbc، و16:00 على «cbc دراما»، و20:00 على «دبي»، و23:00 على «OSN يا هلا»



إعداد: نادين كنعان

أمينة خليل


تطلّ أمينة خليل في رمضان 2018 بدور «كاريمان» في «ليالي أوجيني». امرأة شابة متزوّجة «إسماعيل» (خالد كمال) الميسور الذي يكبرها سنّاً ولا تحبّه، فهو غيور وشكّاك ويعنّفها. ذات يوم، يأخذها إلى القاهرة ويستغلّ الأمر لتهريب ابنتهما الصغيرة إلى فرنسا. صدمة تحوّل الأمّ المولعة بحبّ وحيدتها إلى لبوة ثائرة، فتضرب زوجها بعصا لترديه قتيلاً وتهرب إلى بور سعيد. تسمّي نفسها «كريمة» وتخفي حقيقتها عن الجميع، مكرّسة أيّامها للعمل وجمع المال لاستعادة «ليلى». بصدق وحرفية، توصل خليل إلى المشاهد أحاسيس الأمّ التي تأكلها نار الشوق والحرمان، فيما تحاول حتى الآن كبت مشاعر الحبّ التي بدأت تولد في داخلها تجاه «فريد» (ظافر العابدين).


كارمن بصيبص


مرّة جديدة، تلفت اللبنانية كارمن بصيبص الأنظار في المحروسة. إنّها «عايدة» التي أُرغمت على الزواج بـ«فريد» (ظافر العابدين)، شقيق زوجها الذي توفي أثناء حملها بـ«ناديا». لا يشكّل الحب جزءاً من علاقة الثنائي المسكونة بالبرودة. تحاول الصبية الرقيقة التقرّب من الطبيب الوسيم لخلق حياة زوجية طبيعية، لكنّ الأكيد أنّ دون الأمر عوائق، على الرغم من مساعي الطرفين، وفي ظلّ بوادر علاقة الحب التي ستجمع الرجل بـ«كريمة». بوضوح وبساطة وسلاسة بعيدة عن التكلّف والمبالغة، تنقل إلينا بصيبص مشاعر «عايدة» العميقة الضائعة بين الغضب والملل والحب والغيرة والاشتياق والخجل، إن كان عبر الكلام أو لغة العيون التي أجادتها.


إنجي المقدّم


«صوفيا»، سيّدة إيطالية تسكن في مصر منذ عشرين عاماً تقريباً، حيث تدير مقهى يقدّم الحلويات والمشروبات اللذيذة. في سبيل هذه الشخصية، خضعت إنجي المقدّم لدروس في اللغة الإيطالية وطريقة لفظها، حاصدة الإعجاب منذ الحلقات الأولى. خلف الحيوية والتلقائية والاستقلالية والثقة بالنفس واللامبالاة بـ«كلام الناس»، توجد سيّدة هشّة ووحيدة تخفي سرّاً لم يتضح حتى كتابة هذه السطور، ولا شكّ أنّها لا تزال تحبّ «عزيز» (مراد مكرم) الذي لم تتزوّجه على ما يبدو بسبب تسلّط والدته (ليلى عزّ العرب) ــ التي تكرهها ــ وضعف شخصيّته. تقدّم إنجي نموذجاً فريداً لامرأة تشبه كثيرات اليوم وحينها؛ فهي المصرية «الجدعة» والإيطالية المنفتحة والعصرية.


أسماء أبو اليزيد


وطأت قدما «جليلة» أرض بور سعيد بعدما هربت من إحدى قرى الصعيد وتخلّت عن أهلها، لاهثة وراء تحقيق حلمها: أن تصبح مغنية شهيرة و«محترمة». طموح هذه الفتاة القويّة يتخطّى حدود «تياترو أوجيني» حيث تعمل، إذ عليها أن تحقّق إنجازات أكبر لتبثت لأسرتها أنّها كانت على حقّ. لكنّها بينما تصارع لفعل ذلك من دون تقديم «تنازلات»، تقرّر الانفصال عن حبيبها الذي يريدها أيضاً أن تتخلّى عن السعي وراء النجومية.
آتية من عالم المسرح، تحجز الممثلة السمراء، عاماً بعد عام، مكاناً لها في الدراما التلفزيونية، مستثمرةً هذه المرّة قدراتها الغنائية، ولافتة الأنظار بأدائها اللطيف لأغنية «يا وردة قولي متخافيش».


ليلى عزّ العرب


صحيح أنّها متعجرفة ومتسلّطة وتنفّر الجميع منها بسبب لسانها الطويل وحشريّتها، غير أنّ ليلى عزّ العرب، وفيما كرّهت المشاهدين فيها، تمكّنت من تطعيم شخصية «ماجدة» بالكثير من خفّة الظلّ.
جرّاء حبّها الشديد له، تتدخّل هذه الأرملة في كلّ كبيرة وصغيرة في حياة ابنها «عزيز» (مراد مكرم)، حتى إنّها حرمته من الزواج بحبيبة عمره «صوفيا».
كلّ ما تريده في الحياة هو أن تراه سعيداً، إلا أنّها تريد للزوجة المستقبلية أن تكون مفصّلة على مقاساتها. والحلقات المقبلة ستكون كفيلة بالحسم إذا ما كان «عزيز» سيتمرّد على والدته أم سينصاع لرغباتها!


انتصار


في «ليالي أوجيني»، اختارت انتصار أداء دور «أبلة نعمات». سيّدة مطلّقة وبسيطة من بيئة متواضعة، تُشرف على عاملات التنظيف في الفندق التابع لـ«تياترو أوجيني». يفيض قلبها حبّاً وعناية بالآخرين، في الوقت الذي يتكالب فيه عليها شقيقاها، طمعاً بمدخولها المحدود.
وفجأة، تُصعق المرأة المتوسّطة السنّ بطلب صاحب العمل «صدقي بيه» (بطرس غالي) يدها للزواج.
ومع موافقتها على العرض، تبدأ رحلة تخطّي الصعوبات، ولا سيّما تلك المتعلقة برفض ابنة الرجل الثري، «نبيلة» (مريم الخشت)، للموضوع ظنّاً بأنّ العروس تريد استغلاله.