رغم المشاكل التي شابت السيناريو والإخراج، وخصوصاً في الحلقات الأخيرة، استطاع «لأعلى سعر» (ﺇﺧﺮاﺝ محمد جمال العدل وﺗﺄﻟﻴﻒ مدحت العدل) الاستمرار في المنافسة في رمضان 2017، محققاً نسب مشاهدة عالية. يومها، تبدّلت القاعدة ولم تستأثر نيللي كريم بالبطولة كما استغنت عن الأدوار المركّبة. على الدرب نفسه، تسير الممثلة المصرية في السباق الحالي من خلال مسلسل «اختفاء» (تأليف أيمن مدحت، وإخراج أحمد مدحت، وإنتاج «العدل غروب» ــ dmc، و«التلفزيون السعودي») الذي دخلت عبره عالم التشويق والغموض.

هل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه؟ سؤال لم ولن يملّ أحد من طرحه، ويشكّل في هذا العمل ركيزة تحاك حولها القصّة الرئيسية. نحن أمام قصّتَيْن متشابهتَيْن ومصير قد يكون واحداً في زمنَيْن مختلفَيْن: نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، والفترة الممتدّة بين عامي 2016 و2018.
في الأوّل، تعيش أستاذة الأدب الروسي «فريدة» (نيللي كريم) المتزوّجة بالصحافي والروائي شريف عفيفي (هشام سليم). في سياق عمله الصحافي، ومن خلال بورتريه للمصرية ــ الأرمنية «نسيمة سوفليان» (تجسدها كريم أيضاً) التي تشبه زوجته كثيراً، يكتشف «شريف» معلومات خطيرة وحسّاسة عن ماضي رجل الأعمال المصري المعروف «سليمان عبد الدايم» (يجسّده محمد ممدوح في الزمنَيْن)، مرتبطة بقصّة اختفاء التشكيلي «نادر الرفاعي» (محمد علاء) في عام 1968، وهو الزوج الأوّل لسوفليان التي يُفترض أنّها فارقت الحياة في عام 1971 بعدما أدّى بها سوء وضعها النفسي إثر خسارة حبيبها إلى العيش في مصحّ عقلي. هكذا، يقرّر «شريف» الاستعاضة عن سلسلة التحقيقات الصحافية التي كان ينوي نشرها برواية مفصّلة عما حدث، «تستند إلى وثائق وحقائق»، وتحمل اسم «اختفاء». يذهب «شريف» في 2016 لمقابلة «نسيمة» (المعروف أنّها متوفاة منذ عقود)، وفي طريق عودته لملاقاة «فريدة»، يتعرّض لحادث سير مروّع (مدبّر على الأرجح) يُدخله في غيبوبة ويمكث في المستشفى لأكثر من عام. تفقد الزوجة الأمل من شفائه، فتذهب إلى روسيا في بعثة أكاديمية أرادت الانضمام إليها منذ زمن. وأثناء وجودها هناك، تكتشف أنّ «شريف» استفاق في الوقت الذي يعقد فيه مؤتمراً صحافياً يُعلن عن قرب نشر روايته التي يتهم فيها «سليمان عبد الدايم» بقتل «نادر الرفاعي». تتوالى الأحداث الغامضة، ويختفي الكاتب مجدّداً في ظروف غامضة، من دون أن يُعرف مصيره حتى كتابة هذه السطور. غير أنّ الرجل يترك نسخة من الرواية مكتوبة بخط يده خلف البورتريه الذي قدّمه في السابق كهدية لـ«فريدة». تعثر المرأة الشابة على العمل وتبدأ بقراءته، محاولة اكتشاف اللغز من خلال عمل استقصائي، في ظل فشل الاستخبارات في الوصول إلى نتيجة، وظنّاً منها بأنّ الأجهزة الرسمية تتعرّض لضغوط من جهات نافذة. هنا، نذهب في رحلة بين الماضي والحاضر، وتبدأ الأحداث بالتسارع بعدما يسيطر عليها الملل والإطالة في الحلقات الأولى، فيما تضفي أجواء الستينيات الساحرة (الملابس والديكورات والأكسسوارات والموسيقى وتصفيفات الشعر والماكياج...) مسحة من النوستالجيا إلى وقت كان فيه «البلد غير البلد، والناس غير الناس»، على حدّ تعبير إنعام سلوسة في أحد المشاهد التي تجمعها بهشام سليم.

العمل من كتابة أيمن مدحت، وإخراج أحمد مدحت، وإنتاج «العدل غروب»


يتبيّن أنّ «سليمان» (تعرّض ماكياجه عندما صار مسنّاً لانتقادات) سكن في الشقّة المجاورة لـ«نسيمة» و«نادر» (تجمعهما قصّة حبّ جارفة)، بعدما غيّر هويّته في سبيل إتمام مهمّة سريّة كُلّف بها لإلقاء القبض على مجموعة من الفنانين والمثقفين المعارضين الذي يتردّدون على منزل جارَيْه. فالرجل في الأصل ضابط انتحل صفة مهندس طموح يُدعى «سليمان عبد الدايم». لكن ما الذي حدث بعد اختفاء «نادر»؟ ولماذا أبقى «سليمان» على هويته المزيّفة حتى عام 2018 بعدما تحوّل إلى أحد أكبر رجال الأعمال في البلاد؟ وهل من رابط بين اختفاء «نادر» واختفاء «شريف»؟ وهل الأخير اختفى بالفعل أم أنّه يدّعي ذلك لإحداث بلبلة حول الرواية، وبالتالي تحقيق مبيعات أكبر؟ وهل لـ«سليمان» علاقة بالحادثتين؟ وما دور «سلافة» (بسمة) زوجة «شريف» الثانية (ارتبطا بعدما استفاق من الغيبوبة) بالموضوع؟ أسئلة كثيرة تحاول «فريدة» الإجابة عنها، فيما بات المشاهد ينتظر التفسير بشوق. هذه الإثارة مع التداخل بين الماضي والحاضر والجدّة، صارت دوافع أساسية للمتابعة، إلى جانب أداء الممثلين الجيّد، وإن لم يكن استثنائياً!
«اختفاء» ليس مسلسلاً خالياً من الأخطاء أو العيوب، فيما تشتعل حالياً الأزمة حول نصّه بعد اتهام المؤلّف أيمن مدحت بـ«سرقة» الأحداث والتفاصيل من رواية «متروبول» لمريم أبو عيد، وقصّة «الطرق الفرعية الأخيرة» لأميمة صبحي. لكنّه يملك مقوّمات تمكّنه من أن يكون طبقاً رئيسياً على المائدة التلفزيونية الرمضانية.

*«اختفاء»: 21:00 على dmc، و23:00 على «dmc دراما» و«التلفزيون السعودي»