قد يرى كثيرون أنَّ صناعة الدراما اللبنانية عليها أن تشكر فادي ناصرالدين على مسلسله «بيروت واو» (إنتاج آرت ريب برودكشن). يأخذ الكاتب والمخرج اللبناني الموهوب الدراما اللبنانية خارج بحرها المعتاد: ليس هناك «سيليكون»، لا عمليات تجميل، لا عارضات أزياء، لا بيوت فارهة، لا «بيك» ولا «خواجة»، لا أسماء «وهمية» لعائلات وهمية بقصد تغليف الهوية الدينية، لا شوارع مرصوفة بعناية وأناس يرتدون ثياباً غير موجودة في الواقع. تأتي تجربة «بيروت واو» في جزئه الثالث بعد جزئين ناجحين قدّما على شاشة «العربي». بالتأكيد يحز في القلب ألا يُتَبنّى العمل محلياً، لكن من يراقب الوضع عن كثب يفهم إلى أي «جهةٍ» يريد «دافعو» أموال الدراما أن تذهب.

لا يقدّم ناصرالدين استعراضاً خارجاً عن المألوف: ليس هناك بطل خارق يحمل السلاح ويحارب من أجل الفقراء (أو حتى لأجل نفسه). ليس هناك مخدرات وجنس وإطلاق رصاص (جيئةً وذهاباً). وبالتأكيد ليست هناك قصص مستقاة من الكاتبة الأميركية الرومانسية دانيال ستيل، أو كما عرّبت «قصص وروايات عبير». تأتي «الواقعية المدهشة» سمةً من سمات الأجزاء الثلاثة التي قدّمها ناصرالدين، ولا ريب أنّه يغوص في تلك الواقعية بشكلٍ يجعلك أمام واقعٍ كما هو، من دون زيادة ولا نقصان، ولا حتى أي محاولة لتجميل الوضع عما هو عليه.
تحضر أغنية الشارة كبدايةٍ مباشرةٍ لما يريد المخرج قوله: «بتقلّن فرحانة.. بيقولولك واو، بتقلَن زعلانة.. بيقولولك واو، بتقلّن تعبانة.. بيقولولك واو، بتقلّن طهقانة.. بيقولولك واو، بيروت الخربانة.. بيقولولك واو، بيروت العتبانة.. بيقولولك واو، واو الدهشة.. واو الجيل، واو العطف وفاء الفيل، وزبالة داير مندار، ورح يولع الفتيل». الأغنية التي وزّعها ريان الهبر، ولحنها وأدّاها ربيع الزهر، لا تعبّر عن واقع المسلسل فحسب، بل أيضاً عن واقعنا كلنا، نحنُ الذين نسكن العاصمة الساحلية. البطل طلال الذي جسده ناصرالدين (المخرج والمؤلف) في الجزء الثاني والحالي (بعدما كان حسّان مراد قد لعبه في الجزء الأوّل)، الشاعر الذي يقسّم «روحه» بين بيروت (ومكان سكنه في شارع زريق) وقريته بدنايل التي يقصدها حين يشعر بضغط المدينة عليه، لا يزال يعيش صراعاً أبدياً مع حبيبته «آية» (تؤديها ندى أبوفرحات، بعدما لعبتها دارين حمزة في الجزء الأوّل، وديامون بو عبود في الثاني). طلال وآية يشبهان بعلاقتهما أي علاقة عادية بين عاشقين: يختلفان، يتناقشان، يغوصان في حياةٍ يومية كما لو أنّها حياة أيّ منّا. الأمر نفسه ينسحب على يارا أبو حيدر، التي تؤدي معتادها الجيد، وتقدّم شخصيتها بصورة «فطرية» تعتبر ميزتها. وإذا كنا نحكي عن واقعية مدهشة، لا يمكننا تجاهل ربيع الزهر، وتلك الحالة الخاصة من الكاريزما التي يقدّمها. الممثل والمغني اللبناني يحاول قدر الإمكان أن يكون مختلفاً. وعلى ما يبدو، فقد نضج كثيراً في هذا الجزء عن الجزءين السابقين. شخصيته باتت أكثر وضوحاً وسخرية، حتى ليبدو كأنه «علي الزيبق» من التراث المصري: ظريف يقوم «بمناوشات» قد تبدو «شراً» للآخرين، لكن سحره الشخصي يجعله محبباً وقريباً من الجميع.
في رسمه للشخصيات، يقارب ناصرالدين فكرة «مثقفي الشارع» street philosophers كثيراً. وأبرز من يقاربها في المسلسل هو نجم العمل وكل أجزائه، القدير زياد أبو عبسي الذي يلعب دور المثقف والثائر والفيلسوف الذي يدخل المصح النفسي ويغادره طوال الوقت بإرادته. يظل طوال لحظات المسلسل «يشرح» أموراً «ثقافية» قد تبدو معقدة، لكنها تقارب المشاكل اليومية. هو يمثّل حالنا كأشخاص نعيش في هذا البلد الأشبه بمصح كما يراه العمل. في الإطار عينه، يعود سامي حمدان وطارق تميم لتقديم شخصيتيهما من الجزء السابق. شخصيتان تمثّلان الـcomic relief بالنسبة إلى المسلسل. تبحث هاتان الشخصيتان هذه المرة عن عملٍ يناسبهما. ولأن طبيعتهما الخاصة تجعلهما أشبه بقنبلة موقوتة لناحية الفشل، تبوء كل خطواتهما بالفشل في إيجاد عملٍ مناسب لهما معاً. تجدر الإشارة هنا إلى جهد تميم وحمدان الكبير، فهما يقنعانك بأنهما هاتان الشخصيتان. وهذا بالتأكيد يحسب لصالحهما كممثلين. رودريغ سليمان بدور بلال، يكمل ما بدأه في الجزء السابق. شخصية خاصة، لا تستطيع أن تحدد مكانك تجاهها: هل تحبها أم تكرهها؟ أيضاً يحسب لرودريغ أنه يفهم الشخصية ويؤديها باحتراف، فيما تبرز روان قشمر في شخصية الممرضة بسلاسة أدائها وشخصيتها المحببة والقريبة من القلب.

لا يكتفي بالتعبير عن بيروت فقط، بل يغوص في بدنايل القرية البقاعية والأحداث السورية


من جهةٍ أخرى، لا يكتفي المسلسل بالتعبير عن بيروت فقط، بل يغوص في بدنايل القرية البقاعية وأحداث تركناها عالقة في الموسم السابق، حيث نشاهد الشاعرة السورية سلافة (الدور لعبته في السابق التشكيلية السورية وعد الشيخ قويدر وقد حلت مكانها نور ماغوط) وزوجها (الممثل المسرحي السوري حسام الشرواني) وابنتها (حنين الخطيب) الذين يعيشون في تلك القرية النائية عن العاصمة، مع جيرانهم المحليين كعبدالكريم (يؤدي الدور الممثل والمغني محمد عقيل) وزوجته سعاد (زينب عسّاف) المسكونة بهاجس الإنجاب طيلة حلقات المسلسل. لا يتناول العمل المشاكل اليومية المعاشة فحسب، بل يقارب الأحداث المحلية/ الإقليمية أيضاً. تناول الحراك المدني في الجزء السابق، وهذه المرة يغوص في الأزمة السورية من جديد، فيتناول وقائع الخطف في سوريا. إنها لحظات العجز البشرية التي لا يمكن الغوص فيها من دون التلوّث بها وخلق تلك الجروح التي تجعل الارتباط بفكرة الوطن قاسية ومكلفة.
تقنياً، يبرز النص متناسقاً قوياً، وكما أشرنا بعيداً عن المعتاد الدرامي المحلي اللبناني، مقارباً أكثر الدراما السورية أو المصرية الناضجة. الشخصيات تبدو واضحة، محددة الحركة وغير سطحية أبداً؛ فيما المشاهد تعيد التركيز على صفات معينة للأبطال، فتجعلها مؤكدة لدى من يشاهد العمل. صوّر المسلسل في أماكن عدة في بيروت (راس النبع، عين المريسة، الرميل، الأشرفية، الحمرا) وكذلك في البقاع (قريتي بدنايل وتمنين). يذكر أن المخرجة المعروفة ديالا قشمر تشارك كمنتج في العمل. «بيروت واو» بجزئه الثالث تجربة تستحق المشاهدة بالتأكيد. هي ربما من أبرز التجارب المعبّرة عن الواقع الحقيقي كما هو من دون زيادة ولا نقصان.

* «بيروت واو 3»: 15:00 بعد الظهر بتوقيت بيروت على قناة «العربي» و 17:00 على تلفزيون «سوريا»، ويعاد 12 ظهراً.