بعد باريس والبندقية، يحط الفنان اللبناني زاد ملتقى الرحال في بيروت، ليقدّم تجهيزه السمعي والبصري «شمّش» في متحف «سرسق» بدءاً من اليوم. يأتي ذلك تمهيداً لجولة عالمية ستشمل فنلندا والنرويج وإنكلترا وأستراليا. وكان الفنان البصري والباحث الموسيقي اللبناني قد طوّر فكرة هذا التجهيز الضخم والمبهر خلال تظاهرة Nuit blanche في «معهد العالم العربي» في باريس، قبل ثلاث سنوات، ثم عرض نسخة مصغرة منه للصحافة في «قصر طوكيو» الباريسي، تمهيداً لمشاركة لافتة بهذا العمل ضمن الجناح اللبناني في بينالي البندقية، في منتصف أيار (مايو) من العام الماضي.

«شمّش» جاء امتداداً لتجربة زاد ملتقى الفريدة في مجال الأبحاث الموسيقية، التي بدأها مطلع تسعينيات القرن الماضي، ساعياً لإيجاد جسور تواصل بين الموسيقى الشرقية والغربية. أبحاث توّجت عام 2016، بإنجاز تجريبي طليعي تمثل في مسرحيته الغنائية «أم»، التي قدّم فيها نصوصاً من الـ «باردو طوسغرول» (كتاب الموتى) البوذي التيبتي رافقتها موسيقى تجريبية معدّلة إلكترونياً انطلاقاً من أصوات محرك سيارة «فيراري»! بذلك، أقام ملتقى لعبة مرايا مبهرة بين تأملات «كتاب الموتى»، التي ترصد في المعتقدات البوذية حالة الوعي السباتي الفاصلة بين لحظتي الموت والانبعاث، وبين انطلاقة الحياة الضاجة التي يجسدها ويرمز إليها محرك «الفيراري».


على غرار باكورته في مجال التجهيزات البصرية «نار الماء»، التي قدمها عام 2013، عاد زاد ملتقى ليزاوج في «شمّش» بين الأبحاث التشكيلية والبصرية وبين التجريب الموسيقي. على الصعيد البصري، استعاد هنا أمجاد الحضارة السومرية، مستعيراً من قانون حمورابي (2000 سنة قبل الميلاد) رمزية الإله «شمّش»، الذي تعده المعتقدات السومرية القديمة «إله العدل الذي يسهر على ألا يضطهد القوي الضعيف، وألا تضيع حقوق اليتامى والأرامل». أما على الصعيد الموسيقي، فقد انطلق من أغنية جنائزية باللغة الأكادية، عمرها 4 آلاف سنة، ترثي دمار مدينة «أور»، العاصمة المنسية للدولة السومرية.
اتخذ زاد ملتقى من هذه المواد الخام السومرية منطلقاً لتأملات فكرية تسائل الراهن الدامي في بلاد الرافدين والشرق الأوسط عموماً. وقد تكشّف ذلك تدريجاً في «شمّش»، من خلال التركيب الموسيقي، المرافق للإنجاز التشكيلي، الذي يحمل عنوان «شمّش إيتيكا» (الشمس المظلمة)، حيث نكتشف أن التأوهات الحزينة التي تتخلل النشيد الجنائزي، الذي يبكي دمار «أور»، ليست أصواتاً بشرية، كما يتبادر الى الأذهان للوهلة الأولى، بل هي أصوات معدّلة الكترونياً صادرة عن محرك طائرة حربية!
لعبة مرايا تتقابل من خلالها ثنائيات الخير والشر، الحياة الموت، الشرق والغرب


رمزية محرك الطائرة الحربية في «شمّش» لم تندرج فقط في خانة التجريب الفني، ولم تكن أداة مبهرة للمرواغة الصوتية والبصرية فحسب، بل شكلت حلبة ضاجة وساحرة، في آن معاً، للعبة مرايا تتقابل وتتصارع من خلالها ثنائيات الخير والشر، الحياة الموت، الشرق والغرب. فعين الإله «شمّش» التي ترمز إلى أمجاد الحضارة السومرية، التي قدمت للإنسانية أول شريعة قانونية كرست مفاهيم العدل والمساواة، قبل 4 آلاف سنة، تواجه الراهن الدامي في مهد الحضارات الشرقية، حيث زرعت الطائرات الحربية الغربية الدمار والموت، بحجة نشر الحضارة والتمدّن!
تتجسد لعبة المرايا هذه أيضاً، على الصعيد البصري، من خلال مونتاج تشكيلي يراوغ الذهن والبصر. نكتشف أن ما يتبادر الى الأذهان، للوهلة الأولى، أنه تجسيد لعين الإله «شمّش» التي تعلو نصب حمورابي الشهير، إنما هو في الحقيقة عين محرك طائرة حربية حديثة يتخذ منه زاد ملتقى رمزية لإله مضاد يرمز الى جبروت القوة الغربية المعاصرة. فإذا كانت عين «شمّش» المضيئة تشع نوراً ومحبة، فإن عين المحرك الحربي المظلمة لا ينبعث منها سوى أزيز الرعب والدمار. بذلك، أفضت تأملات زاد ملتقى وأبحاثه التجريبية هذه الى تطوير «شمّش مظلم» عصري يقف في موقع النقيض من إله العدل السومري، إذ إنه يمجد جبروت القوة وقانون الغاب.
هذه المقاربة التجريبية الطموحة جسّدها زاد ملتقى، خلال «بينالي البندقية»، على حلبة امتدت على مساحة 600 متر مربع، في قلب القلعة العسكرية الأثرية في ميناء المدينة الإيطالية العائمة. في قلب هذا الركح الضخم، قام بتنصيب وتشغيل محرك طائرة حربية، محاطاً بكورس غنائي يضم 32 منشداً، بينما أقام في الخلفية جداراً ذهبياً (في إحالة واضحة الى رمزية «العجل الذهبي» التوراتية)، وجعل الأشكال والأخيلة والأصوات تنعكس عليه، في لعبة بصرية تتصارع ضمنها الأضواء والظلال، لتجسيد الحرب الضروس التي تدور رحاها في ربوع الشرق الأوسط، بين «شمّش» التاريخي المشرق والعادل وبين نقيضه المعاصر المظلم والظالم…

* «شمّش» لزاد ملتقى: بدءاً من اليوم حتى 25 حزيران (يونيو) ـــــ «متحف سرسق» (الأشرفية ـ بيروت) ــــ بالتزامن مع الافتتاح اليوم، سوف يتمّ أداء مقطوعة موسيقيّة من قبل جوقة الجامعة الأنطونيّة بقيادة توفيق معتوق، في صالة العرض عند الساعة السادسة مساءً.