القاهرة | بعد صراع طويل مع المرض وسيرة فنية طويلة، ودّعت المحروسة ظهر أمس الأربعاء النجمة المصرية الكبيرة مديحة يسري، الملقّبة بـ«سمراء النيل» من مسجد «السيدة نفيسة» في وسط القاهرة، إثر ساعات على وفاتها عن 97 عاماً.

ولدت هنومة حبيب خليل في عام 1921، وبرحيلها لم تعد «المعمّرة الأولى» بين الفنانات المصريات وربّما العربيات. تمتّعت «سمراء النيل» بجماهيرية عريضة خلال أربعينيات القرن العشرين وخمسيناته، ونالت البطولة المطلقة في السينما المصرية مبكراً وهي في بداية العشرينيات من عمرها، وتحديداً من خلال فيلم «أحلام الشباب» (1942 ــ إخراج كمال سليم). سبق ذلك، اكتشافها على يد المخرج محمد كريم الذي قدّمها للمرّة الأولى في دور صغير في العام نفسه في فيلم «ممنوع الحب» أمام الموسيقار محمد عبد الوهاب، كما شاركت معه أيضاً بدور صغير في فيلم «رصاصة في القلب» (1944).

تزوّجت محمد فوزي حتى وفاته في عام 1966

ارتبطت يسري بذاكرة الثقافة المصرية من خلال رواية «سارة» التي قيل إنّ مؤلفها الأديب عبّاس محمود العقاد كتبها عن مديحة، الفتاة الصغيرة التي أحبّها من دون أن يتكلّل الأمر بالزواج. إلا أنّ الصبية دخلت القفص الذهبي أربع مرّات، أشهرها بالطبع حين تزوّجت الملحّن والممثل الشهير محمد فوزي. غير أنّ الأخير لم يكن زوجها الأوّل، إذ ارتبطت في البداية بالمطرب والملحن محمد أمين الذي أسس شركة للإنتاج السينمائي أنتجت خلال سنوات زواجهما الأربع أفلاماً عدّة، منها: «أحلام الحب» (1945) و«غرام بدوية» (1946) للمخرج فؤاد الجزايرلي، و«الجنس اللطيف» (1945 ــ إخراج أحمد كامل مرسي). بعد انفصالهما، تزوّجت في 1946 الفنان والمنتج أحمد سالم الذي كان معروفاً بمغامراته النسائية، ثم انفصلا لتتزوّج بعده فوزي الذي شاركته في تأسيس شركة الأسطوانات «مصر فون» (تأمّمت بعد الثورة)، بالإضافة إلى بطولة العديد من الأفلام. وأثمر زواجهما الذي استمرّ حتى وفاة فوزي في 1966، عن ابنهما «عمرو» الذي توفي في حادث سيارة (1982). أما آخر زيجاتها فكانت من إبراهيم سلامة الراضي، شيخ الطريقة الحامدية الشاذلية الصوفية.
قدّمت مديحة يسري العديد من الأفلام المهّمة والتي دخلت ضمن قوائم الأفلام الأكثر جماهيرية في تاريخ السينما المصرية، أبرزها «الأفوكاتو مديحة» (1950) أمام يوسف وهبي (تولّى الإخراج)، والذي ناقش قضية الهوية لدى الشباب المصري الذي سافر للتعلم في الخارج وعاد من جديد الى بيئته الريفية، إلى جانب «فاطمة وماريكا وراشيل» (1949 ــ إخراج حلمي رفلة) مع محمد فوزي، وهو فيلم رومانسي كوميدي حول شاب متعدّد العلاقات الزوجية يغيّر موقفه بعد اللقاء بالبطلة الجميلة. كما جمعها بعماد حمدي الفيلم الشهير «إنّي راحلة» (1955 ــ إخراج عزّ الدين ذو الفقار)، و«حياة أو موت» (1954 ــ إخراج كمال الشيخ) الذي تحوّل إلى أيقونة في ذاكرة الجمهور. مع حمدي، شاركت أيضاً في أحد أشهر أفلام عبد الحليم حافظ «الخطايا» (1962 ــ إخراج حسن الإمام). مع تقدّمها في السن، بدأت يسري تجسيد شخصية الأم، سواء تراجيدياً كما فيلم «لا تسألني من أنا» أمام شادية (1984 ــ إخراج أشرف فهمي)، أو كوميدياً مع لبلبة وفؤاد المهندس وعادل إمام في «خلي بالك من جيرانك» (1979 ــ إخراج محمد عبد العزيز)، علماً بأنّها التقت «الزعيم» أيضاً في «الإرهابي» (1993 ــ إخراج نادر جلال)، ووقفت أمام عمر الشريف في «أيوب» (1983 ــ إخراج هاني لشين)، مجسّدة شخصية الزوجة التي ترفض توبة زوجها عن الفساد. على الشاشة الصغيرة، قدّمت عدداً من المسلسلات، منها «الوديعة» (1992 ــ إخراج محمد السيّد عيسى)، و«هوانم غاردن سيتي» (1997 ــ إخراج أحمد صقر)، و«يحيا العدل» (2002 ــ إخراج محمد عبد العزيز).
على مستوى السياسة، كان لمديحة يسري حضور شبه دائم، إذ حصلت على عضوية «مجلس الشورى» بالتعيين عام 1998، ونالت تقديراً كبيراً وقتها من وزارة الثقافة، وكانت حريصة على حضور جلسات المجلس الذي ألغي بعد ثورة كانون الثاني ( يناير) 2011، إلى جانب مواظبتها على التصويت في بعض الاستحقاقات الانتخابية التي تلت الثورة، من دون أن تغيب عن الحياة العامة حتى بداية فترة المرض الذي منعها من التواصل مع أصدقائها والجمهور حوالى ثلاث سنوات.
ارتبطت مديحة يسري بعلاقات طويلة وممتدة في الوسط الفني، لكن صديقتها المقرّبة كانت نبيلة عبيد. وقبل رحيلها بساعات، زارها كل من: سامح الصريطي، إلهام شاهين، دلال عبد العزيز ودنيا سمير غانم في مستشفى المعادي العسكري الذي نقلت إليه بقرار من وزير الدفاع صدقي صبحي، فيما شهدت الجنازة حضوراً كبيراً من النجوم، سواء الذين عاصروها أو أولئك الذين بدأوا مشوارهم الفني بعد اعتزالها في عام 2012.