خلال واحدة من زيارتهما إلى «مبنى بركات» في التسعينيّات، عثرت منى الحلّاق ودلفين دارمنسي على أرشيفات فوتوغرافية داخل «استديو ماريو» الذي كان يقع في الطابق السفلي للمبنى. توقّف الاستديو عن العمل مع بداية الحرب الأهلية، لكن الصور والوجوه استطاعت أن تجتاز تلك السنوات كوثائق بصرية عن الفترة الممتدّة من الخمسينيات والسبعينيات وصولاً إلى سنوات النزاع، حيث تعرض اليوم داخل المكان نفسه في متحف «بيت بيروت» (السوديكو).

يمكننا أن نحتمل العمران ونحتمي به. حجارة بحجارة كما يقال. أن نستنجد أحياناً بالذاكرة المجرّدة التي تستنفد معناها تلقائياً ما إن تُلفظ. لكن التحديق بالوجوه كاف لأن يجعل من فعل الإبصار مرادفاً للإرباك ولا شيء سواه. البصر في «مشروع استديو ماريو»، لا يفعل إلا أن يمدّد الإحساس بالفقد ويسويّه تماماً.
وتحديداً النظر إلى من قصدوا المكان يوماً سعياً إلى البقاء في مدينة لا تقوى على حفظ وجه من وجوه عابريها أو سكّانها. يحوي مشروع منى الحلاق ودلفين دارمنسي المشترك صوراً لأشخاص مجهولين جاؤوا إلى «استديو ماريو» في الطبقة الأرضية للمبنى الذي صار اليوم «بيت بيروت» (السوديكو). سكّان المدينة كانوا يتعرّفون إليه من لافتة «كوداك» صفراء معلّقة على واجهته. في الخمسينيات، استأجره صامويل ومانويل أجاميان، وبقيت كاميرته تعمل حتى بداية الحرب الأهلية. سيبدأ الاقتتال ويستفرد القناص في التصويب من شبابيكه على فرائس من كل الأنواع. يبثّ الموت ويتلقّاه مع كلّ ضربة كانت تسقط على المبنى في محاولة للنيل منه. تكفينا هذه السيرة الدموية لاعتبار نجاة الوجوه معجزة بذاتها، أو معجزتين: واحدة تتمثّل في سرقة تلك اللحظات من الزمن لدى التقاط الصورة الأولى، وأخرى تأتي من إفلاتها من التلف الكلّي والاختفاء بسبب الأحداث التي شهدها المبنى. ما نجا أيضاً من الاستديو هو اسم المصوّر ماريو الذي بقي هو نفسه مجهولاً. أياً كانت غايته وراء تشغيل الكاميرا حينها، فإن الصور التي كان يراد لها أن تحفظ لحظة شخصيّة لوظيفة محدّدة كاستخدامها لجواز سفر، التحقت بالسياق التاريخي لبيروت كإثباتات وحيدة على أن هذه الوجوه قد عاشت يوماً. الرحلة بدأت منذ أن عثرت منى الحلاق ودلفين دارمنسي على حوالى 10,000 نيغاتيف بين ركام المكان في التسعينيات. كانت صوراً من كل الأنواع، صور شمسية وبورتريهات عائلية وبورتريهات لأطفال، وأغلفة ووثائق أخرى تعطي لمحة عن طريقة عمل الاستديو. أعاد المعرض في «بيت بيروت»، سكّان الصور إلى الواجهة المطلّة على تقاطع السوديكو/ طريق الشام.


علّقت على جدرانه وواجهاته وجوه الجالسين في الغرفة المعتمة، الذين لا نعرف إن استطاعوا أن يستعيدوا صورهم من الاستوديو. جهل كهذا وسواه هو ما يطيل تحديق المتفرّج بها، منتظراً من الصور وحدها، عبثاً، أن تعطيه كلّ سير الشخص. لكن هذه الصور التي تعجز عن تقديم ما يتعدى الظاهريّ من أصحابها، تنجح في قول أكثر من حيواتهم. إذ توثّق لسنوات ما قبل الحرب بين الخمسينيات والسبعينيات، ولفترة الحرب نفسها. صحيح أن الأرشيف استطاع أن يجتاز تلك الأحداث ويعود إلى المكان نفسه، إلا أنه لم يسلم من كدمات الحرب وإصاباتها التي طاولت مادّة الصورة وبعض ملامح الوجه، واستطاعت أن تقتلع عضواً أحياناً وتخفي وجهاً بكامله. وبهذا يضاف فقدٌ آخر إلى فقد أساسي تمنحنا إياه البورتريهات وحدها. في المعرض، صور نيغاتيف مجعّدة لشخوص من كل الأعمار. خلفيات قاتمة مُضاءة بخطوط بيضاء تحدّد قسمات الوجه وأطرافه وهيئة الجسد. لعلّها الهيئة المثلى للماضي، حيث الشبحية والغياب يملآن معناهما إلى آخره. ماذا يمكن للصورة أن تكون غير تلك التي نراها هنا؟ المكوث لفترة طويلة أمام الكاميرا، حيث كان للتكرار معنى، ثم الانتظار فترة للحصول على الصور. قد تظهر أحياناً سلسلة أو ربطة عنق من رقبة أحدهم لتستثير تلك الوخزة التي ترافق النظر إلى الوجه، وإحساس بالذنب بسبب التلصّص على صور كانت ستكون، لولا الحرب، قابعة في جارور داخل غرفة نوم أصحابها. بالإضافة إلى وثائق النيغاتيف، يتضمّن المعرض صوراً مظهّرة بأحجام كبيرة بالأبيض والأسود تعيد للمكان تاريخه.
وظيفة انتروبولوجية مدينية، يعزّزها تنسيق المعرض الذي أبرزَ التنوّع الثقافي والاجتماعي


هنا العناصر كثيرة، الخلفيات الكارتونية التي كان يجبر الأطفال على الجلوس أمامها لالتقاط الصورة. الإرباك باد في اليدين المتروكتين على الركبتين. آخرون جاؤوا بكامل أزيائهم، أو لالتقاط صور عائلية مألوفة يقف فيها الوالدان وراء أبنائهم. تؤدّي الصور أيضاً وظيفة انتروبولوجية مدينية، يعزّزها تنسيق المعرض الذي حاول تظهير تنوّع خلفيات الناس الثقافية والاجتماعية كما يظهر من الملابس. كذلك سعى القائمون عليه، إلى عرض صور لعائلات مسلمة ومسيحية (بشكل مباشر بجانب بعضها) بأزياء عيد الشعنينة والحجابات على الرأس. بعضهم يلبس بناطيل الشارلستون، والسراويل القصيرة، أو يلتحق بموضة الشعر المنكوش. تتيح الصور أحياناً تخمين علاقة الأشخاص ببعضهم مثل شقيقين متطابقين يضعان الكوفية على رأسيهما. داخل علبة زجاجية، وضعت أيضاً بعض مغلفات الصور التي تحمل اسم الاستديو، وصور جواز سفر، ولقطات بولارويد ملوّنة تعود إلى شهر آب (أغسطس) من عام 1975. هل نجاة الصور وحدها كافية لأن تخلّصها من شعور الفقد؟ لا شكّ في أنها أعادت جزءاً من التاريخ لم يكن ليبقى لولا بقاء الصور التي لا تتوقف عن السؤال عن أصحابها.
أين هم الآن؟ ماذا حلّ بهم؟ إن لم يكونوا ضحايا الحرب، فهم ضحايا الزمن أو بيروت وتبدّلاتها السريعة. هذه أسئلة لا تغيب عن القائمين على المشروع الذين أرادوه أن يكون تفاعلياً انطلاقاً من السؤال الأساسي: من هم هؤلاء الناس؟ دعا منظمو المعرض الزوّار للمشاركة في الإجابة عنه. إذ وزّعت عليهم صور للناس بأحجام صغيرة بهدف محاولة البحث عن سير وقصص هؤلاء الناس، ليضاف إلى هذا المشروع البصري جانب يكتب سير أصحاب تلك النظرات التي التقت بالحرب يوماً.

* «مشروع استديو ماريو» في «بيت بيروت» (السوديكو)